هل يَكتمِلُ فرَحُنا بعودتك؟ ما زلنا يا سيدنا بولس في انتظارك

23 نيسان 2014 | 00:00

في مثل هذه الأيام من السنة الماضية، على مشارف صعود السيد إلى أورشليم ليُصلب ويقوم، تم تغييبُك يا سيدي بولس الحبيب. وإن كنت عن العين والسمع غائب فأنت، "السائح بين الأرض والسماء"، ما زلت منذ اللحظة الأولى حاضراً في غيابك، مُسلطِناً على القلوب والعقول والرجاء. لا خوف في قلبي عليك أنت الذي تأملت في "مصاعد القلب" في القول النبوي القائل: "مغبوط الرجل الذي نصرَتُه من عندك، مصاعد في قلبه وضع في وادي البكاء، في المكان الذي وضعه". هذه رسالتي الثالثة لك ورجائي أن تكون الأخيرة قبل عودتك، فنتخاطب مُباشرة بقيامة السيد.

لن أكتب"عنك" يا سيدي الحبيب، بل كالعادة أكتب "إليك"، فيكون كل منا مُخاطَبٌاً ومُخاطِبٌاً. لن نخاطبك بصيغة الغائب فانت أكثر المُغيَّبين حضوراً. فالحضور ليس بالجسد فقط، كما ان الإصغاء للآخر ليس بالسمع فقط. فلا بد لكلماتي من أن تعبر إليك على أثير الإيمان وأن تصل إلى مَسمَعِكَ وتَحُط في مصاعد قلبك لتقول لك إيماني وشوقي بلقياك ثانية. نعم إيماني برؤية وجهك الذي يُنيرُ مُتربِّعاً على الشاشات من مشارق الأرض إلى مغاربها. فعلى قول رسول الأمم، بولس، شفيعُك، نفهمُ الإيمان على أنه "الثقة بما يُرجى والإيقانُ بأمورٍ لا ُ ترَى" (عبرانيين، 11، 1). ومن قال إن الكلمات الحيَّة المعجونة بطحين الإيمان وخميرة الرجاء لا تُسافِر ولا تقطعُ المَسافات والمَحطّات المَنظورة وغير المَنظورة ولا تتحدى القيود والسلاسل والعوائق مهما علا شأنها ولا تُرفرِفُ عالياً وتَحُطُّ بشكلٍ غير مَنظور هناك حيث مَصاعد القلب التي تكلمت عنها أنت واختبرتها؟ لن أكلمك عن حال الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة وأحوالها، فالتحديات لا تزال جسام والهوة لا تزال كبيرة بين مُحرِّكات الكنيسة الدهرية ومُحرِّكات الكنيسة التي تسعى إلى الملكوت بأخوة وجرأة وذكاء. لن أكلمك عن الثورة الإنجيلية التي يقوم بها البابا فرنسيس الذي يحاول أن يُفكك السلاسل الكثيرة، الدهرية والمؤسساتية، التي قيَّدت الكنيسة الكاثوليكية نفسها بها وأفقدتها إمكانية مُخاطبة حداثة عالم اليوم روحيا. لن أكلمك على أحوال المسيحية المشرقية فهي اليوم مُفكّكة، تعصف بها كل العواصف، ولا تزال تعجز عن النهوض والخروج من هذا الفكر الطائفي المِلّي الأقلوي الذي أدخلها تدريجا في التقوقع وهم الحفاظ على "الوجود" بينما المطلوب منها أن تكون رائدة وتجبه التحديات كل التحديات لكي تعمل بلا هوادة في مجتمعاتها المشرقية "للحضور الفاعل" لكي تشهد للإنسان، كل إنسان، ولحريته ولحقوقه المشروعة كمواطن ولأسس كرامة عيشه. لن أسترسل في قراءة أزمات عالم اليوم المتعولم، فالحديث قد يطول بها وأنا أريد أن اخاطبك أنت. كنت ولا تزال ساكناً في هم البشارة الإنجيلية في عالم اليوم، باحثاً ومُنقباً على وسائل تنميتها وتوسيع أطرها لتخاطب الكنيسة حداثة عالم اليوم وتساؤلاته وآلامه المفصلية. ففي البشارة الذكية والجريئة يتحوَّل المؤمن بالرب يسوع الى شهب نارٍ روحي ونور يُشير إلى مواطنية الملكوت منذ هذا الدهر، فلا يقع تحت التحذير العقابي الذي يُعلنه لنا جَهارا السيد في سفر الرؤيا: "هكذا لأنكَ فاترٌ ولستَ بارداً ولا حاراً أنا مُزمِعٌ أن أتقيَّأك من فمي" (رؤيا يوحنا، 3، 16). نعم الفتور وما يُنتج من نسبية، هو شرٌ يُهدد الكنيسة لأنه يضرب البشارة بها ويُحوِّل الكنيسة إلى مؤسسة إدارية تطغى عليها كل أنواع الفريسيَّات الجديدة. تحدي كنسيتنا الأنطاكية اليوم بقيادة أبينا البطريرك يوحنا الحكيمة وتحدي المسيرة النهضوية والتجدُّدِيَّة التي يُعِدُّ لها بالرغم من كل العواصف والمصائب والآلام التي تعصف بنا وتهدد السفينة من كل حدب وصوب والتي واجهته ولا تزال، داخلية كانت أم خارجية، منذ انتخابه وتنصيبه، هي أن نُعدَّ العِدة من جديد ونجمع النخب إكليركية وعلمانية ليس فقط لمقاربة كل المصاعب الداخلية والخارجية برؤية ومنهجية وشفافية وجرأة وحداثة، بل أيضا لنكون كنيسة التوثب الريادي والشهادة الحيَّة المُحيية في هذا العالم العربي وفي العالم. في هذه المسيرة التي ستكون بواكيرها الأولى في انعقاد أول مؤتمر أنطاكي مُوَسَّع في حزيران المُقبل في دير البلمند نحن في حاجة إليك أنت، الذي كان هَمُّكَ دائماً ولا يزال ان تُحوِّل كل شيء دهري وضعه الرب بين أيدينا إلى "نارٍ في عُلّيقة" تُنيرُ ولا تُحرِق، تُشعُّ ولا تَكوي. أفلست أنت من كتب الى كل مؤمن قائلا: "أنتم تحملون على جباهكم "ختم الحمل"، أفواهكم هي أبواق "الكلمة" وأرجلكم هي المبشرة بالسلام. "افتدوا الوقت" فإن الأيام قصيرة و"من يضع يده على المحراث لا ينظر إلى الخلف" (المطران بولس يازجي، نار في عليقة، كلمات ورسائل رعوية، منشورات دير البشارة، حلب). فهَلُمَّ يا بولس، أنت الذي وضعت يدك على المحراث، وعُد إلينا ليكتمل فرحنا ونفرح سوية بقيامة الرب ونشهد له بجرأة وسلام وذكاء.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard