الأوركسترا الفيلهارمونية بقيادة لبنان بعلبكي احتفلت بالسوبرانو فيليسيتاس فوش من مذاقات موزار وهاندل وسان سانس شربنا ولم نرتو

18 نيسان 2014 | 00:00

  • م. م.

كيف لا نعثر على البلسم الشافي لأوجاعنا والموسيقى المولودة من أفراح الدنيا وأحزانها، حاضرة في كل مكان وحدث، لا زغل فيها ولا غش، ترطّب تربتنا الجافة وتعيد إلى يباس الياسمين تألّقه. فحتى بعد خروجنا من كنيسة القديس يوسف، وتفرّق الناس في شوارع بيروت الليلية، كان صوت فيليسيتاس الشفاف كقطرات الندى، لا يزال يراودني، يسكب في الوحدة المسائية أنساً وسكينة. فهذا الصوت السوبراني، يحمل في ارتعاشاته النورانية رسائل حب وفراق وموت ولقاء، فكيف لا تتكيّف به النفس الظمأى دوما إلى من يرطّب تربتها ويعيد إلى زرع منسي اخضراره؟

الأوركسترا الفيلهارمونية بقيادة المايسترو لبنان بعلبكي، استضافت ليلة الأربعاء فيليسيتاس فوش السوبرانو الألمانية ذات السيرة الفنية الواسعة دوليا. في المطوية نبذة غنية عن ترحالها في العالم، ضيفة على الأوركسترات الفيلهارمونية، وفي الأطلاع أكثر، لقاؤها الفني بمارسيل خليفة اللبناني العالمي. مغنيّة شابة أطلقت دفق ينبوعها المستنير بتقنيات خامة السوبرانو الكولوراتور، لعشاق هذا اللون من الغناء ولا سيما أن هذه الصبية المتفتحة براعمها في حدائق الورد، تبث في الدور المصقولة في أثيره، فرحاً تمتد عدواه الوردية إلى الكلارينيت والهوبوا والفلوت، فينتعش موزار ويتذكر أن هذه التشكيلة السموية التي اختارتها فيليسيتاس لهذا الأسبوع من الآلام، أعاد رسمها مراراً إحياء لملكة الليل في المزمار السحري، التي تسكب خيالها في وعاء السوبرانو الشفيف.
فلنستمع إلى الموسيقى كأننا أمام مشاهد مرسومة بريشة رسام تتلاقى بسرعتها مع أثير المزامير وعبور الأقواس على الوتر. فرقصة الموت لسان سانس تفرض على الحواس التئاماً مع السمع ليتخّذ النبض المشتعل من الآلات الشكل والمضمون. هذه الرقصة المأتمية التي رسم سان سانس إيقاعها في مسايرة تفائلية مع الموت، يستهلّها أوندين بريزيانو الكمان الأول في هذه الأمسية، بملامسة قوسه على أوتار مشرئبة، مفتتحا الاحتفال الأسود بنداء رخيم يدعو أوركسترا بكاملها للانضمام إلى هذا الليل، حيث يتوسّع المشهد ويدور الايقاع على ما يشبه هياكل خرجت من مقابرها احتفالاً بالقيامة، إيقاعا تتغير مساراته الدورانية على وتيرة الأداء الأوركسترالي، فنشعر بالموسيقى تنزلق بحشرجة رهيبة كبكرة تلتف إلى الوراء، بعدها وفي أقل من ثوان تنتفض من جديد قوس أوندين الصولو رثائيةً، حزينةً، لتلتقي بالعازفين تحت راية المايسترو، مدعوين إلى هذه الاحتفالية برقصة الموت .
لزمن البشرى بالحياة لحظاته الطيّبة في هذه الأمسية، فبدخول فيليسيتاس فوش بابتسامتها الرضية، كان لحزن الآلام مذاق لذيذ. الابتهاج والتهليل هما سر موزار في تعزيم تراجيديا الوجود، قطرهما في ترنيم هذه الصبية الربيعية. لقد استعار مزماره السحري هنيهات من "باباغينو" يحاور به غناء فيليسيتاس الشجي، المتصاعد على خيط من نور. ومن الابتهاج إلى مريم البتول المتوّجة بالقداسة والخامة الكولوراتورية تبدو لنا مكرّسة لموزار دون سواه إلى أن دخلت في أرجاء "الباروك" هذا الزمن المكرّس للكونترتينور، الصوت الذي هو لا أنثى ولا ذكر، المولود من جنس الملائكة.
تطاولت فيليسيتاس السوبرانو الرهيفة بأنوثتها على هاندل وغنت مع الأوركسترا ونظرات المايسترو ملتفتة إليها، رائعته "لاسكيا كيو بيانغا"، الموشّح الذي وجد قشعريراته "الكونتتينورية" في رحاب صوتها. وختمت إقامتها معنا بموسيقى لماسكاني من أوبراه "كافالييري روستيكانا" خرج من الأوبرا لحناً ليتلوّن بكلمات ابتهاج لمريم وبهذا الصوت الذي يترك في الذاكرة نقشا من حلاوة الحياة.
في ختام البرنامج عزفت الأوركسترا السمفونية الأولى لمندلسون هذه الرائعة المضيئة على موسيقى هذا المفتون بالعبارات المشمسة. أربع حركات هي مفاصل أربعة من وحي موسيقي جعل في حياكتها الدقيقة مكاييل مدوزنة من فوران وسحر وتأمل في اللاملموس واللامرئي. فإذا للأداجيو التأملي، إجازة تقية من الحياة. فالسطور التي حط عليها سمفونيته، تشي بموسيقي موهوب راهن على حرية المخيلة في صوغه بنياناً فاتناً يعادل الطبيعة التي رسمها بريشته. فلعل الألوان الفاهية والغاضبة التي استوحاها من وحي طبيعته الألمانية كان لها الوحي الأكبر في إدارة ريشته إلى التأليف السمفوني.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard