موسيقى - في كنيسة الآباء الكبوشيين انتعش زمن الباروك بالعزف والغناء ماتيو صوت مولود من قصة عشق بين سوبرانو وتينور

مي منسى womansday

18 نيسان 2014 | 00:00

كنيسة القديس لويس للآباء الكبوشيين كانت ليلة الثلثاء الإطار المثالي لهذه الحقبة من موسيقى وضعت في القرن السابع عشر مداميك متينة تلاقى فيها الوحي بجوهر الوعي الهارموني، وأصبحت الكلمة عشيقة النغم لا خادمته. هو ذلك الخطاب الموسيقي - الغنائي الذي كنا على موعد معه في أجمل لقاء بين ماتيو "الكونترتينور" الملتهب عشقا في ارتقائه على روائع باخ وبرغوليزي وفيفالدي، ونخبة من عازفين وتريين بإدارة ماريو راعي، وأدائه، وهو صاحب القوس النورانية الحائزة جائزة المسابقة الدولية لموسيقى الباروك في فروفيل، وعلى الكلافسان رونان خليل، المدير الموسيقي لجوقة ديماريه الصوتية والموسيقية المكرّسة لريبرتوار القرنين السابع عشر والثامن عشر. في الإصغاء إلى أنامله تجوب ملامس هذه الالة القديمة، فكما لو حدث انخطاف إلى زمن عمره ثلاثمئة سنة، شعور تلقيناه كتعبير طبيعي من تأثير هذه الأنغام العارية من قشور الأرض على المستمع، لما في الانتقال إلى هذا العالم الماورائي من سكينة وتأمل.

الاحتفال استهلّه العازفون بـ"فصل الصيف" لفيفالدي، وفي الحركات الثلاث التي هام فيها الكلافسان كان رونان خليل يرسم طبيعة البندقية وعصب لياليها المقمرة، وفي كل حركة من "ألليغرو" و"أداجيو" اشتعال دينامي للحركة الثالثة، يجعلنا نعي صفوة الموسيقى ورسالتها الوصفية، التصويرية، المنفتحة على آفاق واسعة.
من طبيعة البندقية إلى طبيعة جوّانية كتبها فردي للأم الحزينة، كان الغناء لماتيو، فأكتشف كما في كل مرّة يعود فيها إلى بيروت، ان هذا الفتى مستمر في تصاعديته إلى حيث لا حدود لهذا الصوت الفريد بين الأصوات الأوبرالية الكلاسيكية، "الكونترتينور" المرصّع بنجوم سموية عالية، لا هو ذكر ولا هو أنثى، وكأن حامله أدرك قيمة التأشيرة التي صبغت بها حنجرته، فمضى ينقّب في إمكاناته وينهض بها عاليا ليغدو سفيرا لهذا الكنز النادر في العالم. فمن فيفالدي إلى برغوليزي، هي الأم الحزينة "ستابات ماتر" توحي إليه بكل هذا التأمل في الآلام. صوت نقي، متين بمعدنه، يؤثر حضوره باللهب المشتعل من كيانه. فالغناء ليس قواعد تقنية وحسب، بل ورع ووجع واستشهاد في سبيل الكلمة التي يتفوّه بها بمفاصلها لتولد إبنة النغم وخصلة من شهبه.
قبل أن يأتي المقطع المنتظر، "الآلام حسب باخ"، أعطتنا الأوركسترا بعازفيها الماهرين رونان وماريو، مهلة استمعنا خلالها على "شتاء" فيفالدي، وفي اختيار هذين الفصلين، الصيف والشتاء، لهذه الأمسية، نلمح بالسمع والعاطفة مكانة الموسيقى التصويرية لفيفالدي بموسيقاه الدينية، وكان بذلك ينهل من نبع باخ وحياً لعطشه الروحي. هكذا بدا ماتيو في هذه العصارة من إيمان وولع، متخاويا بوتر الكمانات وملامس الكلافسان السعيدة بهذا الرجوع إلى الزمن الباروكي، منفردا في هذا التحاور بين نبرات خامته الملساء، الليّنة، يلاعبها بدقة القوس على الوتر، مستلقيا على رونق الكلافسان، وفي هذا التلاقي الحسّوي خلاصة فن معتّق في خوابي الزمن، طيبّ ومنعش.
يعود ماتيو إلى فيفالدي، إحتفاليا، واثقا من ارتقائه إلى مصاف باخ، في "نيسي دومينوس" و"إل جوستينو". وبقدر ما يعلو الغناء تتفتح براعم الحقول وتنشر عطرا كالبخور عبقه، ساهما هو في هذا الانتقال الروحي، يشبع غناءه بكل التعابير التقنية والعاطفية والدرامية. فمما لا شك فيه هي القيمة الهائلة التي بات يملكها ماتيو في إعطاء هذا اللون الصعب من الغناء آفاقا واسعة مدهشة. أما سمعناه يغني حتى بعد أن يعم الصمت؟ هذا فتى مدعو لهذه الاحتفالية العجيبة بصوت مولود من قصة عشق بين سوبرانو وتينور.

may.menassa@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard