رئاسيات 2014 - مقارنة بين صلاحيات رئيس الجمهورية قبل الطائف وبعده: التعديلات أضعفت دوره وأحدثت خللاً في توازن السلطات

17 نيسان 2014 | 00:31

السباق حام ومحموم للوصول الى المركز الاول في لبنان. يتمسك المسيحيون بهذا المنصب الوحيد في الشرق، ويعلق اللبنانيون احلاما وآمالا كبيرة على رئيس الجمهورية، ويضعون المشاريع المستقبلية، آملين ان يحققها في عهده. ولكن ما هو واقع الحال عمليا؟ وماذا بقي له من صلاحيات، بعد اتفاق الطائف، تمكنه من القيام بالمهمات الملقاة عليه؟ وماذا بامكانه ان ينفذ ويحقق فعليا من خريطة الطريق التي يرسمها في خطاب القسم؟

بموجب "وثيقة الطائف"، رئيس الجمهورية هو الوحيد الذي يقسم يمين المحافظة على الدستور. كذلك تنص المادة 49 منه على ان "رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن. يسهر على احترام الدستور، والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة اراضيه، وفقا لأحكام الدستور". لكن التعديلات التي ادخلتها الوثيقة عليه لم تترك له صلاحيات دستورية عملية تتيح له القيام بدوره في شكل فاعل، وتمكنه من تأمين التزامه بقسمه الدستوري.

مقارنة مفيدة
بعد انقضاء 24 عاما على اقرار دستور الطائف، ماذا اظهرت التجربة؟ وما هي الصلاحيات التي كان يتمتع بها رئيس الجمهورية قبل الطائف؟ وماذا بقي له بعدها؟ وكيف توزعت؟
- بموجب المادة 17 كانت السلطة الاجرائية " تناط برئيس الجمهورية، وهو يتولاها بمعاونة الوزراء، وفقا لاحكام الدستور". وفي الطائف عدلت هذه المادة، واصبحت "السلطة الاجرائية منوطة بمجلس الوزراء، وهو يتولاها وفقا لاحكام هذا الدستور".
- بموجب المادة 18 كان "لرئيس الجمهورية ومجلس النواب حق اقتراح القوانين". في الطائف سحب هذا الحق من رئيس الجمهورية، وأصبح " لمجلس النواب ومجلس الوزراء حق اقتراح القوانين، ولا ينشر قانون ما لم يقره مجلس النواب".
- بموجب المادة 33 كان لرئيس الجمهورية قبل الطائف ان "يدعو مجلس النواب الى عقود استثنائية". وبعد التعديلات اصبح "لرئيس الجمهورية، بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ان يدعو الى العقود الاستثنائية".
- المادة 49 من الدستور المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية تفيد ان ولاية الرئيس مدتها "ست سنوات، ولا تجوز اعادة انتخابه الا بعد ست سنوات لانتهاء ولايته، ولا يجوز انتخاب احد لرئاسة الجمهورية ما لم يكن حائزا الشروط التي تؤهله للنيابة وغير المانعة لأهلية الترشيح". وفي التعديلات أضيفت الى هذه المادة ايضا فقرة تؤكد انه "لا يجوز انتخاب القضاة وموظفي الفئة الاولى، وما يعادلها في جميع الادارات العامة والمؤسسات العامة وسائر الاشخاص المعنويين في القانون العام، مدة قيامهم بوظيفتهم وخلال السنتين اللتين تليان تاريخ استقالتهم وانقطاعهم فعليا عن وظيفتهم، او تاريخ احالتهم على التقاعد".
- بموجب المادة 52 من دستور ما قبل الطائف كان رئيس الجمهورية " يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وابرامها، ويطلع المجلس عليها حينما تمكنه من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة". بعد الطائف بقي رئيس الجمهورية يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وابرامها، لكن "بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح مبرمة الا بعد موافقة مجلس الوزراء. وتطلع الحكومة مجلس النواب عليها حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة".
- بعدما كان "رئيس الجمهورية يعين الوزراء ويسمي منهم رئيسا ويقيلهم ويولي الموظفين مناصب الدولة، ما خلا التي يحدد القانون شكل التعيين لها على وجه آخر" قبل الطائف، جاء تعديل المادة 53 ليسحب منه هذه الصلاحية، ويسمح له "بتسمية رئيس الحكومة المكلف، بالتشاور مع رئيس مجلس النواب، استنادا الى استشارات نيابية ملزمة، يطلعه رسميا على نتائجها".
كذلك عليه ان "يصدر، بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء، مرسوم تشكيل الحكومة ومراسيم قبول استقالة الوزراء او اقالتهم"، (وبعد موافقة ثلثي اعضاء الحكومة بموجب المادة 69)، كما يمكنه ان "يدعو مجلس الوزراء استثنائيا، كلما رأى ذلك ضروريا، بالاتفاق مع رئيس الحكومة".
وتركت له هذه المادة ان يصدر "منفردا" مرسوم تسمية رئيس مجلس الوزراء، والمراسيم بقبول استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة، واحالة مشاريع القوانين التي ترفع اليه من مجلس الوزراء على مجلس النواب، واعتماد السفراء وقبول اعتمادهم، وترؤس الحفلات الرسمية، ومنح الاوسمة والعفو الخاص بمرسوم، وتوجيه رسائل الى مجلس النواب عندما تقتضي الضرورة، وعرض اي امر من الامور الطارئة على مجلس الوزراء من خارج جدول الاعمال.
- قبل الطائف كان يجب ان يشترك مع رئيس الجمهورية في التوقيع على مقرراته، الوزير او الوزراء المختصون، ما خلا تولية الوزراء واقالتهم قانونا. وبعد الطائف عدلت المادة 54 لتوجب ان يشترك مع رئيس الجمهورية في التوقيع على مقرراته "رئيس الحكومة والوزير والوزراء المختصون، ما خلا مرسوم تسمية رئيس الحكومة، ومرسوم قبول استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة"، واضافت عليها وجوب "اشتراك رئيس الحكومة في التوقيع على مرسوم اصدار القوانين".
- بموجب المادة 55 من الدستور كان يحق لرئيس الجمهورية ان "يتخذ قرارا، معللا بموافقة مجلس الوزراء، بحل مجلس النواب قبل انتهاء عهد النيابة". وجاءت تعديلات الطائف لتربطها بالحالات المنصوص عليها في المادتين 65 و77 من الدستور، و"يعود لرئيس الجمهورية عندها الطلب الى مجلس الوزراء، حل مجلس النواب قبل انتهاء عهد النيابة. فاذا قرر مجلس الوزراء بناء على ذلك حل المجلس، يصدر رئيس الجمهورية مرسوم الحل". وهذا يعني ان رئيس الجمهورية يبقى رهن موافقة مجلس الوزراء على طلب حل مجلس النواب.
- المادة 56 المتعلقة بنشر القوانين اعطته، بعد تعديلات الطائف "حق الطلب الى مجلس الوزراء اعادة النظر في اي قرار من القرارات التي يتخذها المجلس، خلال خمسة عشر يوما من تاريخ ايداعه رئاسة الجمهورية. واذا اصر مجلس الوزراء على القرار المتخذ، او انقضت المهلة دون اصدار المرسوم او اعادته، يعتبر القرار او المرسوم نافذا حكما ووجب نشره".
- المادة 57 نصت بعد الطائف على "حق رئيس الجمهورية طلب اعادة النظر في القانون مرة واحدة ضمن المهلة المحددة لاصداره"، مضيفة شرط "بعد اطلاع مجلس الوزراء (...) وفي حال انقضاء المهلة دون اصدار القانون او اعادته يعتبر نافذا حكما ووجب نشره".
- المادة 58 اضافت التعديلات عليها وجوب ادراج كل مشروع قانون تقرر الحكومة كونه مستعجلا " في جدول اعمال جلسة عامة لمجلس النواب، وتلاوته فيها، ومضي اربعين يوما دون ان يبت به"، يمكن عندها رئيس الجمهورية ان يصدر مرسوما قاضيا بتنفيذه بعد موافقة مجلس الوزراء.
- ولكون السلطة الاجرائية نيطت بمجلس الوزراء، فقد تحولت صلاحية دعوة مجلس النواب الى عقد استثنائي للبت نهائيا في شأن مشروع الموازنة، من رئيس الجمهورية منفردا بموجب المادة 86 من الدستور، باتجاه اتفاقه مع رئيس الحكومة على توجيه هذه الدعوة، بموجب النص الجديد للمادة، ونيط كل ما كان للرئيس بمجلس الوزراء.
يتبين مما سبق، ان تعديلات الطائف جردت رئيس الجمهورية من صلاحياته الاساسية الفعالة، وناطتها بمجلس الوزراء، لا بل ربطتها في العديد من المواد بشخص رئيس الحكومة، واحدثت خللا في التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، انعكس سلبا وفي شكل خطير على الوضع العام في البلد، كما بينته تجربة 3 رؤساء جمهورية مدى ربع القرن الاخير. كذلك اضعفت دور الرئيس حكما وحاميا للدستور، وجردته من الوسائل الدستورية اللازمة لممارسة هذا الدور، على ما يؤكده دستوريون ورجال قانون، وبالتالي يحمله اللبنانيون اكبر من امكاناته وقدراته. وماذا ينفع المسيحيين بعد، أن يكون المنصب الاول في الدولة مرصودا على اسمهم، ولا يتمتع صاحبه بأية صلاحية او آلية تمكنه من ممارسة الحكم، ولا حتى بصفارة او بطاقة صفراء، وأن يكون بالتالي للطائفة التي يمثلها مشاركة حقيقية في النظام السياسي اللبناني؟

كيوان: لا يزال له دور
في لقاء مع "النهار" تؤكد مديرة معهد العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف الدكتورة فاديا كيوان ان " صلاحيات الرئيس كافة اصبحت بيد السلطة الاجرائية. بعد الطائف اخذت منه تماما صلاحية رئاسة السلطة التنفيذية ، وهو ليس فقط لم يعد لديه سلطة مقيدة، بل لم يعد موجودا، كونه يحضر ولا يصوّت".
وتلفت الى ان هناك "فرقا هيكليا اساسيا في صلاحيات رئيس الجمهورية، بين ما قبل الطائف وما بعده، وعمليا لأن الاحزاب في لبنان متعددة وتتقاطع فيها الطائفية والمذهبية وهناك ضرورة لتطبيق مبدأ التوافق، كانت هذه الامور تعطي رئيس الجمهورية هامشا واسعا في تشكيل الحكومة، وكان بالتالي هو الآمر الناهي في ما يتعلق بالسلطة التنفيذية. اما اليوم فهو يحضر اذا رغب، ويترأس لكنه لا يصوت. اذا تم انتزاع السلطة التنفيذية من رئاسة الجمهورية في شكل كامل". وتستدرك انه "مع ذلك لا تزال لرئيس الجمهورية صلاحيات اساسية بعد الطائف، فهو رئيس الدولة ورمزها، وهو من يسهر على تطبيق الدستور، وعلى مبدأ العيش المشترك بين العائلات الروحية اللبنانية. صحيح انهم ازالوا دوره في السلطة الاجرائية، ولكن لديه دور في تشكيل الحكومة، لانه شريك رئيس الحكومة في هذا الامر، ويوقعان مراسيمها معا، وعنده ايضا سلطة الفرملة، بحيث يمكنه عرقلة تشكيلها اذا لم تلب الشروط التي يضعها".
عمليا ما تأثير تقليص الصلاحيات على دور الرئيس؟ تعتبر كيوان ان " دوره ضعف كثيرا، ولم تعد لديه القدرة على تقرير التوجهات العامة للسياسة . لذلك لا ينفع ان نسأل مرشحا ما عن برنامجه الانتخابي، فهو لا يستطيع ان يعطي برنامجا لرئاسة الجمهورية، لأن هذا يتعارض مع طبيعة الدور الموكول اليه. لا يمكن ان يكون لديه برنامج يعد بتنفيذ بنوده".
اذا لا تجوز محاسبة رئيس الجمهورية على انجازات عهده ومطالبته او مساءلته. توافق كيوان قائلة: "نظلم كل رئيس عندما نحاكمه في حين لا صلاحيات له، وعدة الشغل هي الطبقة السياسية المضطر دستوريا ان يتعاون معها. ليس هو من يقرر لا من يكون رئيس حكومة، ولا توازنات الطوائف، ولا يمكنه حتى ان يسمي الوزراء، فهؤلاء يسميهم زعماء الطوائف السياسيين الذين يعتبرون انفسهم ممثلين شرعيين عن الطوائف، كل هذه الامور ليست في يده. يطلبون منه المبادرة ، لكن الحكم ليس بيده. ليس هو من يحاسب، بل من يجب ان يحاسب على ما جرى وعلى الاداء السياسي هي القوى السياسية التي شاركت في السلطة، منذ اتفاق الدوحة وحتى اليوم".
في رأي كيوان ان من اهم الصلاحيات التي يجب ان تعاد الى رئيس الجمهورية اثنتين "الاولى حق رد القانون، لانه اذا رد قانونا وظلوا متمسكين به يصبح نافذا بدون ارادة الرئيس، وهذا غير مقبول لان صلاحيته اقل من صلاحية وزير الذي يمكنه ان يوقف اي مرسوم يتعارض مع رأيه، بينما رئيس الجمهورية بعد مرور 40 يوما يصبح القانون نافذا.
والثانية: صلاحية حل مجلس النواب، واجراء انتخابات مبكرة، بالاتفاق مع الحكومة، لأن قرار اجراء الانتخابات هو قرار اجرائي تتخذه السلطة التنفيذية، لكن سياسيا تنفرز عندها ارادة سياسية تقف الى جانب الرئيس باتجاه حل مجلس النواب، وعندها يمكن ان تقف الحكومة الى جانب الرئيس في حل مجلس النواب واجراء انتخابات جديدة".
وعن تأثير تقليص الصلاحيات على انتظام الحكم وعلى دور الرئيس، تقول انه "في حالة الازمات الكبرى لا يستطيع الرئيس ان يأخذ القرارات لوحده، لان صلاحياته مقيدة، فهو لا يستطيع ان يحل مجلس النواب، ولا ان يسمي ولا أن يعفي رئيس حكومة مكلفا بحسب استشارات ملزمة، ولا توجد آلية تحدد مهلة للتشكيل او العودة الى استشارات جديدة، وهذا ما ظهر في التجربة الاخيرة. يجب ان يكون هناك مهل، صحيح انها لا تعطي صلاحية اكبر لرئيس الجمهورية، لكنها تحلحل الازمات ولا يعود هناك طريق مسدود".
كيف يسترد رئيس الجمهورية صلاحياته ويكون حكما؟ تجيب كيوان ان "الرئيس ليس حكما. لا دور سياسيا اليوم لرئيس الجمهورية، طالما انه لا يستطيع ان يسمي الا الشخص الذي تختاره غالبية النواب باستشارات ملزمة، ولا يمكنه الحد من التسمية عبر اعفائه، الا اذا اراد رئيس الحكومة اعفاء نفسه والاستقالة، ولا يستطيع ان يفرض مشروع البيان الوزاري لأن الحكومة هي التي تضعه وتمثل القوى السياسية والمجلس يعطيها الثقة على اساسه. لا دور لرئيس الجمهورية. دوره معنوي وكبير. في حال الازمات، يشكل رئيس الجمهورية، اذا كان موقفه معتدلا، في حال وجود انقسام خطير وخوف من فتنة، ضمانة معنوية للبنانيين، ويمكنه ان يكون رمز الوحدة الوطنية، ولكن لا يمكنه ان يأخذ مبادرات لتعزيز الوحدة الوطنية، لان ليس لديه صلاحيات دستورية. الصلاحية الدستورية الوحيدة التي كانت له قبل الطائف، انه كان الرئيس المباشر للسلطة الاجرائية، وفي الطائف اخذوها منه بالكامل".
وتستدرك بعبارة جوهرية: "في هذا البلد السياسة اكبر من الدستور".

may.abiakl@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard