رئاسيات 2014 - التنافسات المارونية على الرئاسة قصة كُتبتْ بحبر الصراعات الزعماء لم يتراجعوا عن نزاعاتهم غير عابئين بمصير لبنان

15 نيسان 2014 | 00:23

لم يكن مبدأ تداول قمة هرم السلطة في معظم الأحيان، سوى نتاج عمليات قيصرية وصراعات لا تنتهي بين تيارات الموارنة وزعمائهم على الامساك بالسلطة والإطباق على منافسيهم، ويعود تاريخ الزعامة المكتوب بحبر الصراعات الى الامارة الشهابية حين تقاتل أبناء العم من آل شهاب وتذابحوا على كرسي الامارة بين الأمير يوسف الشهابي وأولاده والأمير بشير الشهابي الكبير لينتهي الأمر بقتل يوسف عام 1790 شنقاً على يد والي عكا أحمد باشا الجزار ليستتب الأمر للأمير الشهابي.

تبدأ سيرة الصراع على الرئاسة مع رحيل الاحتلال التركي وقيام الجنرال الفرنسي غورو في آذار 1922 بتشكيل مجلس للبنان الكبير انتخب أعضاؤه بالاقتراع الشعبي، والذي انتخب بدوره حبيب باشا السعد رئيساً له، وتعاقب على رئاسته مارونيان هما نعوم لبكي في 1923 واميل اده في 1924. وفي 23 أيار 1926 وافق المجلس على نص دستوري حوّل "دولة لبنان الكبير" إلى "الجمهورية اللبنانية"، ليتحوّل المجلس التمثيلي الى مجلس للنواب انتخب المحامي والصحافي الارثوذكسي شارل دباس رئيساً أول للجمهورية ليعاد انتخابه في 1929. لكن وفيما كان عهد دباس الارثوذكسي منصرفاً إلى وضع اللمسات "التأسيسية" للجمهورية ومؤسساتها، كان الزعماء الموارنة منصرفين الى التنافس في ما بين اميل اده العضو في المجلس النيابي والذي تزعم "الكتلة الوطنية" وتمتع بشعبية مسيحية عارمة على خلفية مواقفه المؤيدة لاستقلال لبنان وتعزيز التعاون مع فرنسا والاحتفاظ بعلاقات معها، وغريمه بشارة الخوري الذي تزعم "الكتلة الدستورية" ومثّل شريحة رجال الأعمال والمجتمع المسيحيين المرتبطة مصالحهم مع العالم العربي والى جانبهم قسم كبير من المسلمين.

"كتلوي" و"دستوري"
تطلع كل من اده والخوري الى خلافة الرئيس الارثوذكسي بعد التجديد له عام 1929. وحيال الأزمة التي أثارها ترشح الشيخ محمد الجسر مطلع عام 1932 لرئاسة الجمهورية في وجه بشارة الخوري، بادر المفوض السامي الفرنسي الى تعليق الدستور في 9 أيار 1932 والتمديد للرئيس شارل دباس، ومن بعده تعيين بريفا – ابوار أحد أركان المفوضية الفرنسية رئيساً للجمهورية في 2 كانون الثاني 1933، لينتهي الأمر بعد شهر وتحديداً في 31 كانون الثاني 1933 بتعيين حبيب باشا السعد رئيساً للجمهورية لمدة سنتين. وانتخب اللبنانيون عام 1934 مجلساً جديداً للنواب الذي انتخب اميل اده رئيساً في 20 كانون الثاني 1936.
أدى اندلاع الحرب العالمية الثانية في 1940 الى تعليق الحياة السياسية في لبنان، ما اضطر اده وأركان حكمه الى الاستقالة فتولى الانتداب مقاليد الأمور مباشرة حتى 1942 الى ما بعد سيطرة الحلفاء على الشرق الاوسط. وجرت الانتخابات النيابية الأولى عام 1943 خلال عهد الرئيس الارثوذكسي بترو طراد المعيّن من الانتداب الفرنسي، وأدت الى فوز بشارة الخوري بالرئاسة واستبعاد منافسه المفترض كميل شمعون، لتطوى صفحة من الصراعات المارونية التي انطفأت وبقي الجمر تحت الرماد ليندلع بعد حين على وقع رياح التمديد الذي أراده الرئيس بشارة الخوري بهدف الفوز بولاية ثانية.
تلاعب الخوري وبطانته بنتائج الانتخابات التي جرت في 25 أيار 1947 للاتيان بمجلس نيابي يعيد انتخابه، وهذا ما حصل في أيلول 1949، لكن المعارضة الواسعة لولايته الثانية والتي قادتها "الجبهة الاشتراكية الوطنية" أو تحالف كمال جنبلاط – كميل شمعون – جوزف شادر (الكتائب) – وبيار اده (الكتلة الوطنية) وغسان تويني والسوريين القوميين وغيرهم أدت الى دفع الخوري الى الاستقالة في 18 أيلول 1952 وانتخاب كميل شمعون رئيساً بعد منافسة مع الزعيم الشمالي حميد فرنجية المدعوم من قائد الجيش.

الرئاسة خط أحمر
نجح الرئيس شمعون في تحقيق إنجازات ادارية واقتصادية واجتماعية خلال عهده، لكن معارضيه اتهموه بالعمل على مصادرة الحياة السياسية واقصاء منافسيه والسعي وراء التمديد لعهده وادخال لبنان في سياسة الاحلاف. بيد أن الايجابية الوحيدة في أزمة نهاية عهد كميل شمعون تمثلت في أن الانقسامات بين اللبنانيين لم تكن طائفية ومذهبية بل على قاعدة تأييد الرئيس أو معارضته.
وهكذا توترت الامور بين رئاسة الجمهورية ورأس الكنيسة المارونية البطريرك بولس بطرس المعوشي الذي خاض غمار المعارضة لسياسات الرئيس صاحب الشعبية. وبين مؤيد لشمعون ومعارض له كانت احداث 1958 التي وقف فيها بعض زعماء الموارنة في مواجهة الرئيس الماروني. وأدت الاحداث الى بروز اسم قائد الجيش ومؤسسه الجنرال فؤاد شهاب الذي ينقل عنه الرئيس سامي الصلح في مذكراته قوله: "اسقاط شمعون قبل انتهاء ولايته خط احمر"، وذلك ردا على محاولة المعارضين وبعض العسكريين انهاء عهده بقوة السلاح.
تقول المراجع ان دمشق ممثلة بعبد الحميد السراج دعمت ترشيح الرئيس السابق بشارة الخوري، وأيدته غالبية من المعارضين كانت تنتظر التوجيهات من العاصمة السورية. في حين أيد كمال جنبلاط ترشيح الدكتور يوسف حتي للرئاسة، كما راج اسم المؤرخ جواد بولس كمرشح حيادي. وأيدت مصر والولايات المتحدة الاميركية الجنرال فؤاد شهاب. واستنادا الى مذكرات الصلح فان دمشق اعطت التعليمات الى انصارها بقصف مجلس النواب اللبناني خلال جلسة الانتخابات في 22 ايلول 1958 لتعطيلها ومنع انتخاب شهاب، لكن تدخل الرئيس المصري جمال عبد الناصر مباشرة حال دون ذلك. والاهم في نهاية عهد الرئيس شمعون انه ارسى سابقة تأثير رئاسة الجمهورية في اختيار خلف لها سواء من خلال التأثير المباشر على دوائر القرار المحلية والديبلوماسية او من خلال الكتلة النيابية المؤيدة لها وهذا ما يفتقده نظام ما بعد الطائف الذي "كبّل" و"شل" موقع الرئاسة الاولى عن اي تأثير.

الرئيس يختار خلفه
تختلف المواقف من عهد الرئيس فؤاد شهاب، لكن غالبية اللبنانيين باتت على قناعة ان ما اعتبر تدخلا من الاستخبارات العسكرية للجيش (الشعبة الثانية) في الحياة اللبنانية، لا يقاس بشيء امام الفوضى العارمة وانهيار مؤسسات الدولة الذي اعقب ولايته. وهكذا رفض شهاب التمديد لعهده على رغم فائض القوة الذي كان يتمتع به نيابيا ومؤسساتيا. واحتدم الصراع بين مؤيدي الشهابية يدعمون عبد العزيز شهاب ومعارضيها وفي مقدمهم بطريرك الموارنة المثير للجدل المعوشي الذين دعموا اسماء عدة ابرزها ريمون اده وسليمان فرنجية كمرشحين ضد سياسة الرئيس شهاب، الذي عاد وقرر دعم ترشيح شارل حلو الذي فاز في 18 آب 1964 بغالبية 92 صوتا مقابل خمسة اصوات للشيخ بيار الجميل رئيس حزب الكتائب وورقتين بيضاوين.

صراعات لا تنتهي
كان عهد الرئيس شارل حلو بداية انحلال الدولة ومؤسساتها وبداية الحروب الاهلية اعتبارا من عام 1965. وساهم دخول المنظمات الفلسطينية المسلحة في تأجيج الخلافات الاجتماعية – الطائفية – الثقافية بين اللبنانيين. ومع تراجع دور الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش وسعي حزب "البعث" السوري المتواصل التدخل في الشؤون الداخلية للبنان، كانت الامور تتجه الى الهاوية ودمار لبنان. ومع ذلك لم يتراجع الزعماء الموارنة عن صراعاتهم العبثية والقاتلة غير عابئين بمصير البلد العربي الوحيد الذي ينعمون فيه بالحرية والمساواة. وهكذا وقف "الحلف الثلاثي" بأركانه كميل شمعون، وريمون اده وبيار الجميل في مواجهة الشهابية بمباركة البطريرك المعوشي الذي عاد وتفاهم مع شمعون ليعارض "الشهابيين"، الذين احتفظوا بالاكثرية في الانتخابات النيابية عام 1968. وهكذا بدأت معركة الرئاسة عام 1970 في محاولة من انصار الرئيس شهاب لاعادة انتخابه ومواجهة تدهور الوضع، لكن عزوف شهاب عن الترشح دفعهم الى اختيار اسم حاكم مصرف لبنان الياس سركيس مرشحا لهم. وتبنى "الحلف الثلاثي" ترشيح سليمان فرنجيه الذي فاز في 17 آب 1970 بفارق صوت واحد.
بدأت ملاحقة اركان العهد الشهابي مع بداية عهد الرئيس فرنجيه من دون ان يدرك القائمون على هذه الحملة عاقبة هذا الامر، اذ أفلتت التنظيمات الفلسطينية المسلحة من عقالها لتندلع الاشتباكات بينها وبين الجيش في ايار 1973، ثم كان الانهيار الكبير في 13 نيسان 1975 و"حرب السنتين" التي اضطرت الرئيس فرنجية الى ترك القصر الجمهوري في بعبدا تحت وطأة القصف المدفعي من المسلحين الفلسطينيين والمتحالفين معهم. وعلى رغم ذلك استمر التنافس الماروني على موقع رئاسة الجمهورية وطرح الاسماء وفي مقدمها زعيم "الكتلة الوطنية" النائب ريمون اده لترسو في 8 ايار 1976 على حاكم مصرف لبنان الياس سركيس رئيسا للجمهورية الممزقة بالحروب.
استطاع الرئيس سركيس توحيد الجيش وتثبيت موقع الرئاسة الاولى، لكن عهده حفل بالازمات والحروب السورية – اللبنانية – الاسرائيلية – الفلسطينية، اضافة الى الصراعات المارونية الدموية المتوارثة وأبرزها التنافس بين اركان "الجبهة اللبنانية" السابقة، لكن الامور عادت لترسو على تفاهم بين سركيس وبشير الجميل الذي اصبح رئيسا للجمهورية لم يتسن له الوصول الى قصر بعبدا واغتيل في 14 ايلول 1982 ليفرح بعض الموارنة باغتياله ويطلقوا الرصاص تشفيا. وفي 21 ايلول انتخب أمين الجميل رئيسا للجمهورية بعد تراجع الرئيس كميل شمعون عن ترشحه لمصلحة شقيق الرئيس الشهيد بشير الجميل.
انتهى عهد الرئيس الجميل بصراع عنيف على الوصول الى قصر بعبدا، بين النظام السوري الراغب في الامساك تماما بالوضع اللبناني من خلال الرئاسة الاولى والخط التاريخي لـ"الجبهة اللبنانية" مدعوما من البطريركية المارونية. وهكذا طرحت أسماء عدة منها مخايل ضاهر وسليمان فرنجية ورينه معوض وبطرس حرب وميشال اده وقائد الجيش ميشال عون وغيرهم، لترسو الامور في نهاية المطاف على تعيين حكومة انتقالية عسكرية برئاسة العماد عون، لتدخل البلاد بعدها في مسلسل أزمات وحروب أدت الى اتفاق الطائف الذي انتزع صلاحيات الرئاسة الاولى المسيحية ووزع سلطاتها محولا الحكم في لبنان نوعا من الفوضى السياسية التي لا تستقيم أمورها الا بتدخل القوى الخارجية.
انتخب رينه معوض رئيسا في 5 تشرين الثاني 1989، لكنه لم يتمكن من الوصول الى قصر بعبدا بسبب الخلاف على "اتفاق الطائف" واغتيل في 22 من الشهر نفسه في جريمة لا تنفصل عن اغتيال من سبقه وتلاه من الرؤساء والزعماء لأنه لم يكن مطواعا لارادة النظام السوري وخطته الهادفة الى ابتلاع لبنان. وهكذا انتخب الياس الهراوي رئيسا استهل عهده بتغطية احتلال جيش النظام السوري للمناطق الشرقية المسيحية الخارجة عن سيطرته وتحول لبنان طوال 15 عاما مجرد محافظة سورية تختار القيادة السورية من يناسب مصالحها لرئاسته في ما كان يصفه الزعيم ريمون اده بضم ألمانيا النازية للدولة النمسوية المجاورة.

pierre.atallah@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard