رئاسيات 2014 - تجديد وتمديد وجهان لعملة واحدة وخيط رفيع قابل للانقطاع المعارضة أنهكت الخوري ولحود، وشهاب "حضّر الحكيم"، والهراوي حَمَته الوصاية

14 نيسان 2014 | 00:00

بين التجديد والتمديد خيط رفيع قابل كل وقت للانقطاع، وغالباً ما يواجه كثيراً من المعارضة كما هي حال التجديد للرئيس بشارة الخوري الذي لم تشفع به "نعمة الاستقلال" التي حظي بها لبنان في عهده، وهي معارضة أطاحته، أو حال التمديد للرئيس إميل لحود الذي عانى وعانى من المعارضة التي خرجت من القمقم بعد انسحاب الجيش السوري وهدّدت بالتوجه في تظاهراتها إلى القصر الجمهوري لولا نزولها عند رغبة البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير الأب الروحي لـ "ثورة الأرز" في رفض إسقاط رئيس الجمهورية الماروني في الشارع باعتباره رمز الوطن. وحده الرئيس الياس الهراوي استطاع تقطيع الوقت "بالتي هي أحسن"، مثبتاً أقدامه في بعبدا تحت مظلة الوصاية السورية التي أمّنت له كل دعم.

في 21 أيلول 1943 انتخب مجلس النواب اللبناني الشيخ بشارة الخوري رجل الإنكليز رئيساً للجمهورية واتخذ من قصر شقيقه الشيخ فؤاد الخوري في القنطاري قصراً للرئاسة، وتنعّم اللبنانيون بالاستقلال طوال أربع سنوات على رغم التدخلات الكثيرة والممارسات ضد مناوئي الشيخ بشارة والتي كان يقودها شقيقه الشيخ سليم الخوري الذي عُرف بلقب"السلطان سليم" نظراً إلى سلطانه في كل دوائر الدولة وتنكيله من المعارضة أقطاباً ومناصرين. إلى أن حصلت انتخابات 25 أيار1947 التي شهدت أكبر عملية تزوير في تاريخ لبنان. تزوير كبير أسقط كل رموز الكتلة الوطنية المناوئة للكتلة الدستورية التي يتزعمها الرئيس بشارة الخوري في جبل لبنان وفي مقدمهم الرئيس إميل إده، سعياً إلى التجديد له. ومذذاك لم تنم المعارضة على الضيم وراحت تعد العدة لأخذ الثأر. ولكن في هذا الوقت نجح الخوري في التجديد وعقد مجلس النواب جلسة في 27 أيار 1949 وجدّد للرئيس الخوري ست سنوات تبدأ في أيلول 1948، أي بعد انتهاء الولاية الأولى. وحضر جلسة الانتخاب وفد سوري ووكيل وزارة الخارجية العراقية ووزراء عرب. وانتخب الشيخ بشارة بإجماع النواب الحاضرين وكانوا 46 نائباً من أصل 77، وغاب النواب كميل شمعون (بداعي المرض) وكمال جنبلاط ورشيد بيضون (بداعي السفر)، والشيخ سليم الخوري ويوسف كرم المستقيلان، وهنري فرعون وموسى فريج ونصوح الفاضل وسليمان العلي.
في هذا الوقت اشتدت الممارسات ضد المعارضة التي توسعت في السنة الثالثة بعد التجديد لتضم النائب كميل شمعون الذي كان من أركان الكتلة الدستورية ، و"تجمعت في دير القمر "عاصمة فخر الدين المعني الكبير"، وكأن التاريخ يعيد نفسه إذ استضافت دير القمر عاصمة فخر الدين ومصدر القوة التي حاربت طغيان بشير الكبير لتستفيق صباح 17 آب 1952، لاستقبال وفود تمثل أكثرية الشعب وإن اختلفت في العقيدة، فإنها متفقة على أن عهد الطغيان بات لا يحتمل وخنق الحريات والتنكيل بالأحرار وحرمان الفقير خبزه لحساب الاستثمار والاثراء غير المشروع بات يستدعي الحل الحاسم". ("النهار"18 آب 1952)".
وكان النائب كميل شمعون يستقبل الوفود وإلى جانبه إميل بستاني الذي "كانت طائراته في سماء الشوف تدور وتدور لتضفي جواً من الرهبة" ("النهار" العدد نفسه).
وبعد اجتماع الأقطاب خرجوا ببيان أكد "ان نظل يداً واحدة وقلباً واحداً من أجل حكم ديموقراطي صالح يضمن حقوق الشعب وحرياته ويقضي على الفساد والطغيان، وذلك بإجبار (هنا جملة تشير بالتحديد إلى المسؤولية - لم توردها "النهار" يومذاك وتقصد الشيخ بشارة الخوري، بسبب العقوبات القاسية ومصادرة الصحيفة)، أن ينزل عند إرادة الشعب أو يعتزل ".
وألقى النائب كمال جنبلاط خطاباً نارياً وانتهى إلى تلاوة المقررات.
وفي 17 أيلول 1952 ولدت "الجبهة الاشتراكية الوطنية"، التي وجهت رسالة إلى رئيس مجلس النواب أحمد الأسعد طالبت فيها مع حلفائها ونواب طرابلس، باستقالة رئيس الدولة، وجاء فيها: "بناء على إرادة الشعب اللبناني، يتشرف النواب الموقعون أدناه أن يطلبوا منكم بوصفكم رئيس السلطة التشريعية التي تمثل سيادة الشعب، أن تنقلوا إلى حضرة الشيخ بشارة الخوري هذه الرغبة بوجوب استقالته فوراً من منصب الرئاسة. الموقعون: الأساتذة كمال جنبلاط، كميل شمعون، بيار إده، أنور الخطيب، ديكران توسباط، عبدالله الحاج، علي بزي، قبولي الذوق".
وفي بيان آخر، كذّبت المعارضة الشائعات التي روّجتها أجهزة الدولة بنيتها ترشيح غير ماروني للرئاسة. ووقّع البيان كالآتي:
"- الكتلة الوطنية اللبنانية: ريمون إده، عبدالله الحاج، بيار إده، ألبر مخيبر.
- الحزب التقدمي الإشتراكي: كمال جنبلاط، أنور الخطيب.
- حزب النداء القومي: قبولي الذوق، علي بزي، تقي الدين الصلح.
- غسان تويني".
وألحقوا الرسالة والبيان ببيان آخر يدعو إلى الإضراب العام حتى تنحّي رئيس الجمهورية بشارة الخوري، وقد اتخذت المعارضة مقررات بينها الطلب من مجلس النواب إبلاغ رئيس الجمهورية بالقرار ومواصلة الإضراب حتى استقالته، و"اعتبار كل مَن يتعاون مع رئيس الجمهورية خارجاً على إرادة الشعب ومتآمراً عليه".
ووقّع البيان بحسب ورود أسمائهم فيه النواب: عبدالله اليافي، سامي الصلح، سعدي المنلا، كمال جنبلاط، حميد فرنجيه، رشيد كرامي، كميل شمعون، بيار إده، غسان تويني، قبولي الذوق، علي بزي، عبدالله الحاج، أنور الخطيب، ديكران توسباط، عادل عسيران، حسن البحصلي، الحاج أنيس نجا، عبد السلام جنون.

الاستقالة
الإقفال استمر ثلاثة أيام أعلن على أثره الرئيس بشار الخوري الاستقالة ولم يكمل ولايته المجددة والتي كانت ستنتهي في أيلول 1955، أي قبل 3 سنوات كاملة من انتهائها.

شمعون وشهاب
وفي 22 أيلول 1952 انتخب مجلس النواب أحد أركان المعارضة الرئيس كميل شمعون رئيساً للجمهورية وبدأ بناء القصر الجمهوري في بعبدا. وقد تعرّض في نهاية عهده لتحرك استباقي بعد سعيه إلى تجديد ولايته وكانت ثورة 1958 التي وصل على أثرها قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية وتعرض قصر القنطاري لرصاص "الثوار". ولمحت جهات مؤيدة لشمعون إلا أن شهاب تغاضى عن المطالبة بقمع الثورة ليضمن الرئاسة بدعم من الأسطول السادس الأميركي الذي كان في البحر قبالة بيروت، وهو ما حدا بالعميد ريمون إده إلى الترشح ضده رفضاً لإجماع عليه "في ظل الأسطول" ، ولئلا يسجل التاريخ أن أحداً لم يجرؤ على الترشح ضده في ظل هذا الوجود.
وقبيل نهاية ولايته رفض الرئيس شهاب تعديل الدستور للتجديد له.
ويروى في هذا المجال أن رئيس الحكومة الحاج حسين العويني اتفق مع نواب من الأكثرية على أن يشكو خلال جلسة مجلس الوزراء من ألم مفاجئ ويستأذن للانصراف إذا لمس أن شهاب سيرفض اقتراح التجديد له، ولما احتدم النقاش وحاول العويني أن يظهر مظهر إحساس بألم، التفت إليه رئيس الجمهورية وقال له: "عرفت القصة يا حاج وأنا حضّرت الحكيم".
صحيح أن شهاب لم يجدّد، إلا أن كثراً اعتبروا انتخاب الرئيس شارل حلو مثابة تجديد لشهاب إذ ظل طاقم الحكم العسكري نفسه، وانتقل إلى مقر رئاسي في سن الفيل.

الهراوي
وفي 24 تشرين الثاني 1989 وعلى أثر استشهاد الرئيس رينه معوض، انتخب الياس الهراوي رئيساً للجمهورية إلا أنه لم يتمكن من تسلم الحكم فعلياً إلا بعد اجتياح الجيش السوري براً وجواً منطقة سيطرة العماد ميشال عون في 13 تشرين الأول 1990 ومن ضمنها قصر بعبدا ووزارة الدفاع في اليرزة. وتم التجديد له في صمت بغطاء سوري وبصمت خارجي شبه تام وبأثمان داخلية متفاوتة الأحجام بعضها باهظ وجسيم. ويحكى أن الهراوي صارح الأسد عام1995 بأن ولايته غير كاملة وطالب بست سنوات جديدة لأنه لم يتمكن من تسلم الحكم إلا بعد سنتين بسبب سيطرة عون عليه ثم انتظر ترميم القصر الجمهوري الذي تضرر كثيراً بالقصف فوافق الأسد على ثلاث سنوات. ونال 110 أصوات بينهم نواب معيّنون في مقابل 11 معارضاً. وبدا كأن الذين صوّتوا للتمديد إنما كانوا يحجزون مقاعد لهم في عصر الوصاية في مجلس 1996. ووصف العماد عون يومذاك من مقر إقامته في باريس عهد الهراوي بأنه "العهد الممغوط" الذي يعني "مسحاً كاملاً للشخصية السياسية اللبنانية"، بينما اعتبر العميد ريمون إده من مقر إقامته في باريس أيضاً التمديد قانونياً ولكنه "غير شرعي لأنه جاء من مجلس نواب غير شرعي انتخب في ظل احتلال اسرائيلي وشبه استعمار سوري ومقاطعة واسعة".

لحود
وفي 15 تشرين الأول 1998 انتخب مجلس النواب قائد الجيش العماد إميل لحود رئيساً للجمهورية بعد تعديل الدستور لمرة واحدة، وواجهته منذ انتخابه عراقيل ومطبات عدة، حتى إذا ما أراد التمديد في 4 أيلول 2004 قامت الدنيا ولم تقعد، وبدت المعارضة واضحة ضده في ظل علاقته الوطيدة مع سوريا التي رشقت بأقذع الصفات. ولكن التمديد لثلاث سنوات حصل ونال لحود 96 صوتاً بينما عارضه 29 نائباً شكلوا "لائحة الشرف"، وسجلت مواقف بارزة عن مخالفات وتهديدات تلقاها عدد من النواب اعتبرت أن عدم التصويت "مؤامرة دولية ضد سوريا". وغاب الرئيس رفيق الحريري وظهر لاحقاً وتبين أن يده مكسورة.
وتضمنت "لائحة الشرف" التي عارضت التجديد النواب: وليد جنبلاط، إيلي عون، صلاح حنين، باسم السبع، أكرم شهيب، علاء الدين ترو، نبيل البستاني، نعمة طعمة، أنطوان أندراوس، هنري حلو، محمد الحجار، أيمن شقير، فؤاد السعد، جورج ديب نعمة، أنطوان غانم، (الوزراء مروان حماده، غازي العريضي، عبدالله فرحات، فارس بويز)، نايلة معوض، مخايل ضاهر، مصباح الأحدب، منصور البون، فارس سعيد، بيار الجميل، غطاس خوري، أحمد فتفت، بطرس حرب، نسيب لحود.
وتفاقمت المعارضة ضد الرئيس لحود وخصوصاً على أثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005 وولادة "ثورة الأرز"، وانسحاب القوات السورية من لبنان في 26 نيسان 2005 وانطلاق تظاهرات مليونية طالبت في ما طالبت باستقالة رئيس الجمهورية وقررت التوجه إلى قصر بعبدا والاعتصام فيه، إلا أن موقف البطريرك صفير كان صارماً فرفض إسقاط رئيس الجمهورية في الشارع "لأنه رمز الوطن".
واستفاد لحود من الدعم السوري له وتغاضي الأميركيين وحلفائهم و"المونة" البطريركية، ليتابع ولايته الممدّدة حتى آخر دقيقة منها، عندما خرج من القصر منتصف ليل الجمعة - السبت 23 - 24 تشرين الثاني 2007 بشكل دراماتيكي وبحراسة أمنية بالغة التشدد، وتسلّمت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة مهمات الرئاسة، وعقدت جلسات عدة للانتخاب من دون حصول نصاب، إلى أن انعقد مؤتمر الدوحة في قطر في أيار 2008 وكان اتفاق على انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية.

habib.chlouk@annahar.com

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard