الكتابة الناشطة

7 نيسان 2014 | 00:00

  • ر. ع.

لا تكتفي كتابة زياد ماجد بنصها فحسب، بل تتعداه إلى فعلٍ مماثل لها، من ناحية المبدأ والغاية. هذا ما يجعلها كتابة ناشطة، يمارسها الباحث والأستاذ في الجامعة الأميركية بباريس، كأنها امتداد لهمّته، التي يناصر بها إشكالية الإجتماع والسياسة في البلدان المحكومة بالإستبداد والتعصب، على تفرق أشكالهما. من هنا، يبدو ماجد كأنه يكتب في رواقٍ من أروقة الفضاء العام، الذي حتى لو كان غائباً أو مفقوداً في هذا البلد أو ذاك، تنحو الكتابة إلى بنائه، مشرعةً إياه على احتمالات الرأي والموقف المختلفين، بحيث أنها تهندسه أفقياً، وتسعى إلى تمتين أغلب جوانبه، فلا تستطيع السلطة اختراقه بعموديتها القاسية، أو بتشميلها العنيف.

في الكثير من الأحيان، يصمم ماجد نصه بالإستناد إلى ترتيب عددي (أولاً، ثانياً، ثالثاً...)، يحاول، على أساسه، الرد على مقولة معينة، أو البحث في واقعة محددة، من دون أن يصرف المعالجة عن أي حجة من حجج خصومه. كما أنه، بين وقت وآخر، يفترض دليلا أو برهانا، لم تبلغهما فطنة "المقاومين والممانعين"، لكنه يأتي على ذكرهما من حيث الإحتياط، الذي ينجز النقاش، ويثبِّت ديموقراطيته.
هذا ما يسم النص بالهدوء، إذ إن الكاتب لا يضطرب في أي جملة من جمله، ولا يقع في شدة من شداته، فمهما كان الموضوع، الذي يتطرق إليه، عصيا على التحمل، نتيجة كثرة الجثث المدفونة تحته، ووقاحة القاتل الحاضر فوقه. لا ينقبض ماجد بكتابته، أو يتكدر. على العكس، يواصل كتابته بتسكين انفعاله، فتسيل حدّته في الموقف، الذي يخشاه الخصم، ويهابه أكثر من حذره حيال الرأي المغتاظ أو الناقم.
بهذه الطريقة، يكتب زياد ماجد ممارساً "يساريته الأفقية"، التي لا تتعقد حين تواجه استفهاماً عسيراً، أو عندما تنقل من واقع إلى آخر. هي وليدة تجارب سياسية عدة، من التأسيس الحزبي في لبنان، والمشاركة في تظاهرة 14 آذار، إلى معارضة النظام الأسدي في سوريا، فضلاً عن تميز هذه اليسارية بنظرتين عربية وفرنسية، يجمعهما مسلك الحرية، الذي يتخطى كل حد، تضعه الديكتاتوريات لتعتقل محكوميها، وتعزلهم عن عالمهم. في هذا المطاف، لا تنفصل كتابة زياد ماجد عن هذا المسلك، إذ يحملها من النص إلى الفعل، فيستكمل الكاتب موقفه بنشاط، يكاد يكون ميدانياً، بالإضافة إلى كونه معطوفاً على نقد مستمر، تنتجه علاقة "غرامشية"، يشير إليها ماجد على مدونته الإلكترونية، بين "التشاؤم في الفكر" و"التفاؤل في الإرادة"، وما يلحقهما من كتابة ناشطة، تؤيد التغيير، وتدافع عن المطالبين به، كما تدين الإبادة المرتكبة في حقهم.
إلى مقالاته المنشورة في الصحف والمواقع الإلكترونية، وإلى حراكه الشارعي، يستخدم ماجد الشبكة الإفتراضية، حيث ينشط في فضاءات التواصل، متابعاً وملاحظاً. فقد كتب مرةً عن "الفايسبوك"، وزر الإعجاب، مسمّياً إياه "لايك الحرية"، الذي صار، مع اندلاع الثورة السورية، إلتزاماً سياسياً حرية المنتفضين، وصمودهم في وجه نظام الحجز والقتل. هكذا، في النص، والواقع، والإفتراض، يشيد ماجد رواقه، كي تكون كتابته على وجه من وجوه النشاط والجدوى، ولا سيما في "عُجالاتها"، فتواصل إطاحة خطاب "المقاومة والممانعة"، الذي يدرك زياد ماجد مدى بطشه وعنفه جيداً، ذاك، أنه قتل واعتقل وهجر الكثير من أصدقائه ورفاقه بين لبنان وسوريا.

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني