كتاب - "إنه الدم" لنوال السعداوي : المأساة وإن اختلفت واحدة

1 نيسان 2014 | 00:57

دفعت نوال السعداوي، منذ الخمسينات من القرن العشرين، ثمنا باهظا من حياتها وسمعتها الأدبية، بسبب ثورتها وتمردها الدائم على الكثير من القيم الموروثة السلبية، التي لا تزال تتحكم في حياة أغلب النساء والفقراء حتى يومنا هذا، فأصبح القلم في يدها مثل المشرط، تستأصل الجزء المريض من الجسد من دون أن يرف لها جفن، كما تستأصل بؤر الفساد والعادات الضارة في المجتمع والأسرة.

في روايتها الجديدة، "إنه الدم"، الصادرة أخيرا عن "دار المطبوعات" في بيروت، تحكي السعداوي عن شخصيات من مختلف الفئات والطبقات والاتجاهات الفكرية، جمعتهم خيمة واحدة في ميدان التحرير بالقاهرة، خلال الثورة المصرية في شهر كانون الثاني 2011. لا تسير الرواية من البداية الى النهاية في خط مستقيم، بل تتقطع وتنفصل الأحداث والشخصيات بعضها عن البعض الآخر، الا أنها تتجمع تحت الخيمة. يلعب الدم المراق على الأسفلت دورا بارزا في الرواية، سواء أكان دم الشباب في ميدان التحرير أثناء الثورة المصرية، أم الثورات الأخرى في نيويورك ولندن وبلاد العالم: الدم هو الدم، فوق أسفلت الشوارع وداخل البيوت. هو دم الخادمة العذراء فوق الملاءة الحريرية لسيدها البيه، والدم في عيادة الطبيب أثناء عملية الاجهاض، ودم الشغالة القاتلة زوجها، ودم الكاتبة الثائرة ضد النظام، تنزف كلها في آن واحد.
تجسد الرواية تفاصيل صغيرة قليلة لا تلحظها العيون، لكنها كاشفة لحقائق مخيفة، وأسرار دفينة لا تطلع عليها الا عين الأمن الساهرة في الدولة وعين الله التي لا تنام في السماء. تذوب رقابة الأرض في رقابة السماء، كما تذوب سلطة الله في سلطة الرئيس. ينمو الشارب واللحية البيضاء للرئيس الجديد، بعد سقوط الرئيس القديم ذي الشعر الأسود المصبوغ والذقن المحلوقة.
هكذا ترصد نوال السعداوي أخطر الحوادث بعين عفوية لم تفقد طفولتها ونظرتها الكلية للكون، مما يكسب روايتها تناسقا وتماسكا ووضوحا. هي لا تتبع أي مدرسة أدبية أو فلسفية، بل تنتهج طريقا مستقلا خاصا بها وحدها. لا تسير وراء الموضة تحت اسم الحداثة وما بعد الحداثة، فتأتي عباراتها أحيانا علمية دقيقة مثل تقرير طبي من المشرحة، وأحيانا أخرى شاعرية خيالية شبه مستحيلة أو غريبة.
النبض الحقيقي للرواية خافت متواضع، لأن السعداوي لا تستعرض عضلاتها الأدبية أو اللغوية. سردها يخصها كأنما تكتب لنفسها. لكن العدل هو الخيط الحريري لفلسفة النص، اذ لا تفصل الكاتبة بين العدل في الدولة والحزب السياسي، والعدل في الفراش والبيت: لا فاصل بين العام والخاص أو الذات والآخر، أو الله والانسان. الكل يذوب في الكل.
التحدي هو ما يميز أبطال الرواية وبطلاتها، والمقاومة اللانهائية حتى آخر قطرة دم. الواقع هو منبع الفن في رواية نوال السعداوي، واقع الدم واللحم والألم والنزف؛ واقع القبح والخيانة والكذب والفضيحة. ترفع الرواية الغطاء عن القيح في الجرح، وتكشف الحجاب عن الكذب والنذالة تحت النبل والنبالة. تغوص في طين الأزقة والقبور والفقر، وطوابير البشر المطحونة أمام حنفية ماء في العشوائيات، فنكاد نشم رائحة العرق والتعب والحزن. تكشف الرواية أيضا نفاق الصحافة والكتابة والنخبة المميزة، والتجارة بالمثاليات في السياسة والدين والجنس والحب والزواج، وتنتهك بذلك الستائر والمحرمات وتقتحم المجهول وما وراء السحب، وتكشف الخرافات بتلقائية الأطفال. لم تنجح وسائل القمع في قمع بطلاتها المتمردات، فهن يخترن دائما الطريق الصعب مع أن هناك طرقا سهلة للحصول على المال والمنصب والشرف، لكن الشرف عندهن هو مقاومة الزيف حتى النهاية.
تتوزع مكونات المؤلفة على الشخصيات في الرواية، سواء الكاتبة العنيدة العاشقة لنفسها وفنها، أو الخادمة الفقيرة المطحونة المتحدية للقضاء والقدر. لا فاصل بين المؤلفة وبطلاتها، مثلما لا فاصل بين الشكل والمضمون، فاللفظ والمعنى كيان واحد. تسافر الكاتبة من القاهرة الى نيويورك في غمضة عين كمن يركب بساط الريح، من دون فقدان الحدث الواحد أو ما يسمّونه الخيط المشدود، أو الموسيقى الخفية بين السطور: قد يظهر المسكوت عنه في لحظة الصمت، وقد تتخفى الحقيقة وراء الكلمات الزاعقة. ويلعب الحوار دورا بارزا في الرواية، فيحرك الأحداث وينقل الرواية من زمن الى زمن ومن مكان الى مكان، وقد يلغي الزمان والمكان.
حين تنتهي من قراءة "إنه الدم" لا تنتهي الرواية بين يديك: تبقى منها نظرة خاطفة أو كلمة عابرة غير مكتملة. لا تفصل السعداوي بين الرواية والسيرة الذاتية: كل شيء ينبع من الذات ويعود الى الذات بعد الذوبان في الآخر. وهي، خصوصاً، لا تكتب أدبا نسائيا أو رجاليا، ولا تفصل الجسد عن العقل، ولا النساء عن الرجال، لأن المأساة، وإن اختلفت، واحدة.

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني