النفط والغاز: إدارة التوقعات وعدم تسييس القطاع

20 آذار 2014 | 00:16

كل أسبوع يتدافع الكثير من اللبنانيين لشراء تذاكر اليانصيب علّ الحظ يحالفهم فيفوزوا. اليوم، وقد أضيف لبنان الى خريطة النفط والغاز العالمية، يسود شعور بأن الحلم قد يتحقق فتفوز البلاد أخيراً بالجائزة الكبرى.

لكن هذه الثروة المحتملة من النفط والغاز قد تستغرق بعض الوقت قبل أن تتحوّل واقعاً ناهيك عن احتمال هدرها قبل أن يتمكّن المواطنون اللبنانيون، من الشمال إلى الجنوب، وبغض النظر عن انتمائهم السياسي، من التمتع بها.
ليست موارد النفط والغاز قابلة للتجديد، وبالتالي فإن استخراجها مشابه لتصفية الموجودات، حيث أنها تتبعثر كلياً ونهائياً لمجرّد استخراجها وبيعها. مما يحتّم على الحكومة تشجيع التنمية المستدامة لهذه الموارد من خلال إنشاء إطار مؤسسي يوفر الفوائد الاجتماعية والاقتصادية الدائمة للدولة، وأيضاً للأجيال الحالية والمستقبلية، مع تشجيع الاستثمار في هذا القطاع.
طبعاً من السابق لأوانه تقدير قيمة ثروات النفط والغاز المحتملة في لبنان حيث الشكوك لا تزال كثيرة، ولم تتحقق أي اكتشافات حتى الآن. لذا لا نخوض في التخمين.
ريثما تتحقق عمليات الاكتشاف، كل التقديرات - سواء تلك التابعة لوزارة الطاقة والمياه أو لهيئة المسح الجيولوجي الاميركية (USGS) - تندرج تحت فئة "الموارد"، وهي التي تشمل كلاً من الموارد القابلة للاسترداد من الناحية التقنية وتلك التي لا يمكن استردادها.
عندما يسعى بعض المتهوّرين الى تقدير قيمة هذه الموارد، غالباً ما يمزجون بين الموارد والاحتياطي. ويبدو أنهم يغفلون أيضاً ما تفيد به هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، وهو أنه "لم تتم محاولة تقدير الموارد القابلة للاسترداد اقتصادياً".
والأخيرة التي تسمّى "احتياطياً" تعتمد على عوامل عدة، وبخاصة حجم الاكتشافات، وأسعار النفط والغاز، وتكاليف الاستخراج. وينسى الكثير من الناس أيضاً أن أي إنتاج محتمل سوف يستغرق سنوات قبل أن يتحول واقعاً. وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، وفي ضوء أكثر السيناريوات تفاؤلاً، ليس من المتوقع حصول أي إنتاج ملحوظ للنفط والغاز في دول مثل لبنان قبل عام 2020. بحلول ذلك الوقت، قد تختلف هيكلية أسواق الغاز والنفط عما نحن معتادون عليه اليوم.
لذلك، قبل أن نفكر في غزو الفضاء أو بناء القوة العسكرية، لا بدّ لنا من التركيز على بناء اقتصاد قوي، متحرر من الديون، والأهم من ذلك، ضمان استمرار إمدادات الطاقة المحلية لجميع اللبنانيين، في كل منطقة من البلاد، حيث أن هذا من أبرز الشروط لقيام المجتمعات الحديثة.
أينما تواجدت موارد النفط والغاز في العالم، هي قاردة على إحداث تحويل في تطلعات وحظوظ الدول والشركات والمواطنين. لكن خطر تحوّل الموارد لعنةً يساوي الامكانات والفرص التي تتيحها نعمة الموارد. والنتائج تعتمد على القيادة والحوكمة أكثر منها على القانون الطبيعي. في لبنان، إذا جرت اكتشافات النفط والغاز، ستعتمد النتيجة على طريقة إدارة القطاع منذ البداية. فالأسس الضعيفة تؤدي الى القصور الهيكلي.
لا بدّ من التذكير بأن أي اتفاق يوقعه لبنان مع شركات النفط العالمية صاحبة الخبرة، سوف يلزم البلاد بتلك الشروط على مدى ثلاثين سنة. قد يجادل البعض قائلين إنها عملية "تعلّم بالممارسة"، وفيما يسعى لبنان لبناء الخبرة اللازمة وتكوين فهم أفضل لهذا القطاع، يمكن اعادة النظر في تلك العقود. وفي حين أن في هذه الحجة شيئاً من الحقيقة، من المستحسن عدم إعادة النظر في شروط الاتفاق بعد التوقيع عليه. فمن ناحية، سيزيد ذلك من شعور المستثمرين بالخطر ويحدّ من ثقتهم في الحكومة - فنزويلا مثال جيد على ذلك. ومن ناحية أخرى، قد لا يكون ذلك عملياً، لاسيما إذا كانت تلك العقود تحظّر التغيير.
ينبغي التخفيف من حماسة البيانات والأفكار ويجب على اللبنانيين أن يكونوا على بيّنة بالمغامرة التي يزجون أنفسهم فيها. والأهم من ذلك هو أن يعوّدوا أنفسهم على التعامل بحذر مع هذا القطاع الخاص بطبيعته والذي، في حال تنامى وتطوّر بشكل ناجح، سوف يحجب كل القطاعات الاقتصادية الأخرى في لبنان.
وتوجد مسألة رئيسية حساسة للغاية، حيث أنه لو أريد لهذا القطاع أن ينمو بشكل مستدام، لا بد من عدم تسييسه. فمن المخيّب للآمال أن نرى الاقتتال الداخلي الحاصل للسيطرة على القطاع على الرغم من أنه لم يولّد بعد أي عائدات تُذكر. ومن المؤكد أن كل ما قد يحصل من تطورات سيزداد سوءاً متى بدأت تتدفق العائدات الفعلية.
ولعل الطريقة الوحيدة لتجنّب تسييس القطاع هي الحد من السلطة التقديرية الممنوحة لوزير الطاقة والمياه. هذه التوصية لن تحظى بأي شعبية لكنها ضرورية لو أردنا تحييد القطاع عن التدخلات السياسية، وبخاصة في بلد مثل لبنان حيث الانقسامات السياسية متجذّرة بشكل عميق. لهذه الاستراتيجية ميزة إضافية، كونها ستحمي الوزير المعني من الانتقادات ذات الدوافع السياسية، فتصبح اللعبة مربحة للجميع.
ويوجد جانب آخر يستحق التوقف عنده، ولعله أكثر جدوى، وهو تقسيم وزارة الطاقة والمياه وزارتين أو حتى ثلاثا، فيجري فصل قطاع النفط والغاز (أو الطاقة) عن قطاع المياه وحتى الكهرباء. وهذا يتطلب فصلاً واضحاً للأدوار والمسؤوليات لتجنب الصراع والازدواجية في الجهود، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التنسيق بين مختلف الوزارات، ومن ضمنها وزارات المال والاقتصاد والبيئة.
في كثير من الأحيان، وعند مناقشة موضوع النفط والغاز في الأوساط اللبنانية، تتم الإشارة الى النروج وكيف تحوّل النرويجيون الى سعوديي أوروبا أصحاب العيون الزرقاء.هذا بالطبع مثال يُحتذى به. لكن قلّة تحاول فهم المكونات وراء نجاح قطاع النفط والغاز النروجي. فضلاً عن كون النروج أحد الأمثلة القليلة حيث شكلت ثروة الموارد نعمة حقيقية لا تتلاشى.
يوجد ما يزيد عن مئة دولة منتجة للنفط والغاز؛ وتندرج في معظمها ضمن الجانب الآخر من الطيف، حيث الموارد تشكل لعنة وليس نعمة، إذ تتركّز ثروات النفط والغاز في أيدي الأقلية، ويصبح الاقتصاد غير متوازن، فيما يتضاعف الفقر والنزاعات والفساد. هذا ليس مجرّد رأي، وتكثر الأدلة التي تؤكّد على ذلك والتي ندعو القارئ للانغماس فيها. عند اكتشاف النفط والغاز في بحر الشمال، كانت النروج تتمتع بمؤسسات قوية. وأخشى ألا يكون للبنان الميزة نفسها.
ربما تمّ القيام بالكثير ولكن لا بد من بذل جهود اضافية جبّارة من أجل وضع الإطار المؤسسي المناسب كي نفوز في اليانصيب ونستخدم الثروات بحكمة.

خبيرة في مجال الطاقة وباحثة في المركز اللبناني للدراسات

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard