حانات بغداد الراحلة مع سكرات الشباب والكحول والشعر

8 آذار 2014 | 00:00

في الستينات والسبعينات من القرن العشرين، كانت بغداد زاخرة بالحانات والنوادي الخاصة بفئات الموظفين، لكنها تستقبل الناس من جميع الفئات. دجلة كان ضابط الإيقاع الأكبر في تلك الحانات، إلى جانب الشعر والفن وكؤوس البيرة والعرق. لكن الرحلة التذكارية في حانات بغداد اليوم، تشبه وقفات على الأطلال.

في زيارتي الأخيرة لبغداد عام 2004، بعد سقوط النظام السابق وغياب عنها امتدّ لثمانية وعشرين عاماً، أجريت مع الشاعر سعد صاحب إحصاءً لحانات بغداد السبعينات، فكانت الحصيلة أكثر من خمسين حانة، عدا النوادي الخاصة بالمسيحيين. لكن هذه كانت تستقبل الجميع من دون استثناء، كنوادي الموظفين والعمال. على ذكر العمال، كانت حانة نقاباتهم من أجمل الحانات، لامتداد مساحتها وكثرة الظلال الشجرية والمساحات المزروعة بالأعشاب وشتائل الورد، تنيرها ليلاً المصابيح الصغيرة الملونة التي يسمّيها العراقيون "النشرة"، وتُستخدم عادةً في الأعياد والاحتفالات الخاصة والعامة.

حانات خاصة وللجميع
قرب حانة نقابات العمال كانت حانة "سرجون" الشهيرة. أما "نادي المهندسين" فكان قريباً من ساحة الأندلس عند مدخل شارع 52. هناك أيضاً "نادي جمعية التشكيليين العراقيين" بالقرب من "معرض بغداد الدولي"، ونادي "العدلية" الخاص بالمحامين والقضاة وموظفي وزارة العدل، و"نادي الجباة" في باب المعظم، وهو مخصص للجباة والسائقين والعاملين في الشركة العامة للنقل العام، ويحق للجميع ارتياده، كغيره من النوادي المذكورة، إضافةً إلى "نادي العلوية" في العلوية، ونادي "المسبح" في منطقة المسبح و"نادي الدورة" لموظفي وزارة النفط. كل وظيفة كان لها ناديها الذي يقدم الشراب والطعام والمقبلات، ناهيك بالحانات الصغيرة المنتشرة في الباب الشرقي، وهي رثّة تضم شتى الأصناف من البشر المتكسبين والعاطلين والمياومين والمتقاعدين وباعة الملابس المستعملة والباعة الجوالين والجنود المجازين ورجال الأمن وباعة اليانصيب والقرويين العابرين. بعض الحانات كانت في أزقة صغيرة من الكرادة والباب الشرقي، وطريق بغداد الجديدة، في مناطق الأمين والبلديات وكمب الأرمن والأشوريين وباب المعظم والوزيرية.

الحانات الحديثة
الحانات ذات الطراز الحديث تتميز بديكورها الجديد وإضاءتها الرومنطيقية. وهي لا تقدم غير الجعة العراقية والأجنبية. وكان جميع روادها يُقْدِمون بلهفة على الجعة العراقية ذات المواصفات الممتازة، بالنوعية المتوافقة مع شروط عالمية راقية، كجعة "فريدة" و"لاكر الذهبي" و"شهرزاد" و"أمستل".
كانت تلك الحانات تتناثر على ضفة دجلة في شارعي ابي نواس والسعدون، وبعضها الآخر في منطقة الكرخ، الجهة الثانية من بغداد. لكن الذهاب اليها كان قليلاً، بسبب من حركة الحياة الدائبة في منطقة الرصافة، وأقصد حياة الليل والبحث عن المتعة وتزجية الوقت. هذه كلها كانت مزدهرة في شوارع السعدون والخيام والنضال وأبي نواس.
كان معظم أبناء جيلي من الشعراء والكتاب والفنانين يتعاطى الشراب. لم أر شاعراً أو رساماً أو ممثلاً أو موسيقياً أو كاتب أغنية أو صحافياً أو قاصاً وروائياً أو كاتباً ومترجماً من هذا الجيل، لم يكن ينجذب إلى الشرب، إلا في حالات نادرة واستثنائية. أما الكثرة فكانت تفرط في الشراب، في الظهيرة والليل. كان أغلبنا يلوذ بالزقّ في ظهيرات بغداد القائظة. فبعد تمضية ساعات في المقهى، وعندما كنا نخرج من الجامعات أو الوظائف بعد الدوام الرسمي الذي ينتهي في الثانية، كنا نلجأ إلى الكأس الباردة الشفافة، بعد الكثير من الشاي الذي شربناه، والتبغ الذي دخّناه، وبعد الثرثرة النهارية المتواصلة.

طراوة الكأس
كانت الكأس تطرّي برقتها جلسات اللهب الساخن في حزيران وتموز وآب وأيلول. في الحانة كنا ننغمس في غابة من الفيء والظلال والمبرّدات التي تدفع الهواء اللطيف نحونا. ثمة صديق نديم الى جانبك تتعاطى معه الأنخاب والأبيات الشعرية. جلّ هذه الحانات الناعمة كانت تقع في شارع الرشيد أو في نهايات شارع النهر، كحانة "جبهة النهر" و"شريف وحداد" و"سولاف" و"ألف ليلة وليلة". لي في هذه الحانة الأخيرة صورة تجمعني مع أصدقاء تلك الايام ونحن في العشرين من العمر. لي أيضاً صور في حانات لم تكن تحمل أسماء، حانات ناعسة، ملتمة على نفسها، بغرف كبيرة وباحات وشرفات. هذه الحانات معظمها كان يقع على نهر دجلة، وادركتُ في ما بعد أنها كانت بيوتات بغدادية جميلة ليهود العراق، وبعدها أصبحت من أملاك الدولة العراقية، تابعة لدائرة الأملاك المجمّدة، أو الموقوفة.
حانة "شريف وحدّاد" كانت من الحانات الجميلة بواجهتها الزجاجية المفتوحة على نهاية شارع البنوك من جهة، ومن جهة أخرى على جسر الأحرار والشارع النازل في اتجاه ساحة الأمين. كانت تلك الحانة من طبقتين، تقدم الطعام والشراب، وكانت مزدحمة دائماً، كونها تقع في مرمى النظر. لذا كانت تعج بالرواد القادمين من شتى الإتجاهات، شعراء وفنانين آتين من باب المعظم، وملحّنين وكتّاب أغنية وشعراء شعبيين، وبعض المغنّين الهواة ممن يعمل في كورس الإذاعة و"فرقة الإنشاد" العراقية. هناك أيضاً من ينتظر أن تواتيه الفرصة ليصبح نجماً تلفزيونياً وإذاعياً أو مطرباً صاحب شهرة.
كنا نأوي الى "شريف وحداد" الصاخبة، والضاجة بالأصوات والنقاشات والقراءات الشعرية وكلام السكارى من تجار صغار يميلون ليحتسوا بضعة أقداح من العرق الأبيض أو الأسود. هما صنفان من العرق (المستكي والزحلاوي) وكلاهما من نتاج محلي، لشركات عراقية عريقة، تحضّره من التمور العراقية، في مصانع أنشئت منذ مطلع القرن الفائت.

الحصيري النجفي شاعراً بوهميا
حين كنا نميل الى هذا المكان، كنا نختار الطبقة الثانية، لكي لا يدهمنا أحد الأصدقاء الثقلاء من السكارى، ويتطفّل على مائدتنا ويترك شرخاً في الجو الذي هيّأناه لقراءة ما كتبه أحدنا. من كان يتردّد على هذا المكان بكثرة، هو الشاعر النجفي المُجيد عبد الأمير الحصيري الذي كان يحمل قصائده في كيس ورقي تحت إبطه، فيقرأها مقابل اقداح من العرق. كان الحصيري شاعراً بوهيمياً من الطراز الأول، يجد ما يشتهي ويريد. مرّات كان يقبل على الشجار لشدة سكره، لكنه كان من وجه آخر محبوباً من الجميع وصاحب ثقافة شعرية لا تخفى على لبيب، ممن كانوا يُطربون للشعر المسبوك بإتقان، عدا قلة من الذين لا يفهمونه، وهم على كل حال كانوا من الرواد العاديين والمستطرفين.
كان الحصيري، كريماً، ذكياً، ورعاً، وحافظة للشعر الكلاسيكي، ولا يتوانى، إذا حصل على مبلغ من المال، أن يبذره في الحال على أصدقائه. وإذا أحس بأنك في حاجة الى المال، أو الى دفع ثمن مشروب أو جائعاً الى وجبة، فإنه دائماً يلبّي مباشرة، حتى لو لم تُند منك إشارة الى ذلك.

مقهى مطوّلاتنا
مرات كنا نجد أنفسنا محشورين في دائرة ضيّقة، فننسلّ بهدوء لنختار الحانة القريبة من "شريف وحداد". تكون على مرمى خطوتين، مطلة على النهر. كانت غرف تلك الحانة باردة في الصيف، وفي الأشتاء دافئة تفي بحاجاتنا وتغنينا عن الذهاب الى المنازل القائظة غير المريحة صيفاً شتاءً. هناك كنا نقرأ مطوّلاتنا من القصائد لكي نتمكن في النهاية من الوصول الى حوار مثمر، ذي فائدة، بسبب هدوء المكان وانزوائه الظليل وتعدد غرفه، وهي عادة كانت تضم جماعات من أصدقائنا الفنانين، رسامين ومسرحيين.
على مقربة من هذه الحانة على الناحية الثانية من جسر الأحرار، كانت حانة "جبهة النهر" التي كانت أسعارها أغلى من الحانتين السالفتين، وكان يرتادها المخرجون المسرحيون والرسّامون والنحاتون الكبار والروائيون من جيل الخمسينات، وبعض من تبقى من جيل الشعراء الرواد، وهم كانوا يأتون من مقهى البرازيلية وحسن عجمي والزهاوي، بعد قضاء صبيحتهم فيها. لم نألف "جبهة النهر"، لأنها كانت تضم في المساء بعض الرواد من الضباط والرتب العسكرية العالية.

"سولاف" الغروب الساحر
في بداية شارع الرشيد من جهة اليسار لجسر الجمهورية، كانت حانة "سولاف" الساحرة. وهي لا تزل ماثلة حتى الآن، لكنها تحولت باراً ليلياً ومطعماً يسهر روادهما حتى الصباح. زرت "سولاف" واستطلعتها من الداخل في زيارتي الأخيرة لبغداد. فهذه الحانة البديعة، كنت أرتادها مذ كنت فتى في السابعة عشرة، ولي صورة تذكارية فيها مع بعض الأصدقاء.
الى "سولاف" كنا نأتي، تفتننا سعتها وسعة باحتها الصيفية العالية على دعاماتها الحجرية فوق من نهر دجلة، ولها طلة فاتنة على النهر والقوارب التي تمخر العباب. هناك شريط طويل من النخيل يتراءى لك من الضفة الثانية. أما منظر الغروب فكان ساحراً: نسمات عِذاب تحرك خصل شعرنا الطويل النازل على الجبين، والماء كان لا يبعد عن أيدينا سوى مسافة بوصة واحدة، ويفصلنا عنه درابزين حجري طرازه ملكي، بريطاني أو إسباني، يوحي تصميمه بالذوق والرفعة.

حانة رومانس
إذا كانت الظهيرة قائظة جداً، وهي كانت هكذا دائماً، ففي وسعنا عندئذ الذهاب الى حانتي "رومانس" أو "الركن الهادئ"، وهما في شارع سينما الخيام. هاتان الحانتان الأليفتان كنا نستطيع فيهما أن نتبادل الأفكار برويّة، من دون ضجيج حانات شرب العرق وشاربيه، فتقدمان بديلا منه البيرة الطازجة المثلجة التي تضفي على الجلسة طابعاً حميمياً، وعتمة خفيفة تميل الى البرودة والهدوء. لكن هذه الحانات عامة، وقد تصبح في الليل مقصداً لخليط من شتى المشارب. لذا كنا نأتيها في الظهيرة لخلوّها من هذه الجماعات، فننفرد بهدوئها قبل أن يدهمها الصاخبون ورواد الليل من المهنيين وتجار شارع الرشيد ورواد السينما.
في "رومانس" كنا من دون شك في قلب الحياة الموّارة بالمتعة، وأقصد متعة أن تكون في شارع ابي نواس، شارع السهر والليل والحانات الممتدة من بدايته إلى آخره المتصل بالجسر المعلق وأزقة شارع الكرادة.
كان شارع أبي نواس يتميز في الستينات والسبعينات بسلسلة طويلة من الحانات والمقاهي والمقاصف والمطاعم الجميلة، فأنت لو بدأته من جسر الجمهورية، فستمر بحانة "السقيفة" وهي كانت ملجأ الفنانين وبضعة من الشعراء اليساريين. حانة بسيطة ومتقشفة بمصطبتها المسقوفة بجريد النخيل. موسى الساقط، أحد رواد "مقهى المعقدين" كان مكتشفها ومن روادها الدائمين لأسعارها الزهيدة ومقبلاتها المتواضعة التي لم تكن تتعدى رأساً من الخس، وصحناً صغيراً من الحمّص المسلوق، وكانت تطل على ساحل النهر مباشرة، فتستطيع أن تدلّي قدميك في الماء، أو تنزل الى النهر وتسبح قليلاً، وخصوصاً في أواخر الليل، حين يخلو الشارع من المارة الكثيرين. فالكراسي كانت غائصة في مويجات النهر، وحين يهب الهواء الليلي، كان يهز السقيفة.

الوجودي المنتحر
مقابل سقيفة موسى الساقط التي دلّني عليها الصحافي مظهر المفرجي، هناك حانة "البحرين" بحديقتها الواسعة المعشبة، وأضوائها المتراقصة التي تلوّن الحشائش وأجمات الآس وزهيراتها المنتشرة حولها. أتذكر مرة قرأتُ قصيدتي الجديدة في حديقتها الندية على الشاعرين فاضل السلطاني وحسين حسن. كم كانت مساحتها صغيرة في الداخل، فتحلو في الشتاء جلستها، وتغدو حميمة دافئة إذا ضربتها شمس الشتاء. كانت بلا ديكور، شبه عارية، لذا كان البعض يفضل الحانة المجاورة لها، حانة "غاردينيا" التي ارتبطت الى حد ما بالشاعر فوزي كريم، الذي كان من روادها الدائمين، صحبة بطرس، نادل الحانة، أو صحبتنا نحن الشعراء الشباب، كما كان يطلق علينا آنذاك.
لحانة "البحرين" واجهة زجاجية، وفي الداخل بعض الزوايا التي جعلت منها حقاً حانة بامتياز. ففيها تعرفنا إلى زاهر الجيزاني وخليل الأسدي. وفي ذات ظهيرة مالت بنا الى المساء التقينا الكاتب والناقد عادل كامل والممثل ماهر كاظم والرسام هيثم عبد الجبار والرسام ماهر جيجان والشاعر فراس عبد المجيد والرسام عبد الرحمن سلمان، الوجودي الذي انتحر في شرخ شبابه. وهو كان رساماً موهوباً، يقال إن الوجودية وكتب كولن ولسن وسارتر وكامو أثّرت فيه بقوّة، مما أدى الى أن يحسم حياته في عام تخرّجه من الأكاديمية.
الى حانة "غاردينيا" كانت تأتي كوكبة لا تحصى من الفنانين والشعراء والأدباء والكتاب والمترجمين والروائيين والقصاصين. لكن الخيارات كانت كثيرة آنذاك، فبالقرب من "غاردينيا" كانت تمتد على صفّها ورصيفها حانات "الصحن الفضي"، "بلقيس" النادرة والجميلة، لأنها تقع على سطح واسع بهي مضاء بمصابيح صغيرة ملونة. وتطل بجمالها على نهر دجلة الذي كانت تتراقص فيه أضواء اليخوت وزوارق صيادي السمك والقصر الجمهوري بقبته الكبيرة الذي كانت تحبك فيه المؤامرات ومشاريع الإنقلابات والتصفيات الرفاقية. ففيه سحب صدام التكريتي مسدسه على عبد الرزاق النايف وابرهيم الداوود في أولى المؤامرات التي حبكها خياله المتآمر، كبداية لانفراد البعث بالسلطة، وبداية لصعوده الغامض المدفوع من جهات عربية وعالمية لكي يتبوأ تلك المكانة الدموية. وحين جاء صدام الى سدة الحكم، بعدما حلّ نائباً للرئيس، أغلقت جل حانات شارع ابي نواس المطلة على القصر الجمهوري وقبة المجلس الوطني والدور الأمنية الكثيرة. فسُوِّر الشاطئ بسور من الأسلاك المكهربة وعُزل عن المارة. وحُرم الناس من رؤية الشاطئ الساحر لدجلة. بل من محاولة التفكير في عبور النهر لغرض السباحة والصيد، أو لغرض قد يبيّته أحدهم للقيام بعمل ما: نسف القصر بمن فيه، محاولة انقلاب عبر زوارق نهرية، محاولة عبور وتسلل الى سرّ القتلة وبهو الاجرام والتآمر.

العنف في حانة سرجون
تتكوّن حانة "سرجون" من طابقين كبيرين واسعين وهي من أملاك اليهود المجمدة. تتمتع بمدخلين، أمامي وخلفي، وبغرف واسعة في الأسفل والأعلى، وبحديقة شبه ملكية، لسعتها وكثرة شتلات الورد والآس والرازقي والدفلى التي تحفّ بها. كان يرتادها الشيوعيون، من شعراء شعبيين وشعراء فصحى وممثلين ورسامين. وكان من روادها الدائمين، بالإضافة الينا ومجايلينا من شعراء العامية عريان السيد خلف، جمعة الحلفي، ذياب كزاز المعروف بأبي سرحان، فالح حسون الدراجي، كاظم اسماعيل الكاطع، كريم العراقي، وخيون دواي الفهد، وغيرهم من الشعراء الشعبيين.
أثناء اختفاء الشيوعيين في نهاية السبعينات، التقيت مرة في "سرجون" الشاعر القتيل لاحقاً، خليل المعاضيدي الذي جاء هارباً من بعقوبة لكي يختفي في بغداد. لكنه بعد مضي أكثر من عام على لقائنا، عرفت في بيروت أنه قد صُفّي ومات تحت التعذيب في أحد السجون الرهيبة لسلطة البعث.
هذه الحانة كانت تشهد معارك في آخر الليل، حين يضرب الشراب في عمق الدماغ ويختلط بحرارة الليل التي تختلط بدورها بالنقاش الأدبي والسياسي والفني، فترتفع حرارة الدم مع حدة منسوب الصوت وارتفاع الأيدي والقناني والأقداح المكسورة في المشاجرات. كنت أرى العديد من المعارف الذين تشاجروا ولحقت بهم آثار ما من غارات الأصدقاء المحمومين. وكم رأيت صديقاً مقرّباً مدمىً، أو مقطباً أو لديه ندوب وشروخ وكدمات في وجهه وجبهته وحاجبه ويديه. كنت واحداً منهم وشاهد عيان على مناكفاتنا الشبابية والجدال الدائم والمثابر حول الأدب والشعر والفن .
ولكَم هربنا من باب حانة "سرجون" الخلفي، من دون دفع الحساب. مرّات كان النُدل يركضون وراءنا، ولكن هيهات أن يمسكوا بنا، لأننا كنا نملك أقداماً من ريح ولدينا أجنحة من هواء فتي طازج، تطير بنا في كل لحظة حرجة.

مائدة حسب الشيخ جعفر
حانات السعدون مغلقة ودفيئة، ذات نزعة شتائية في الغالب. فإلى حانة "المرايا" في السعدون كان يختلف ظهراً الشاعر المجدّد حسب الشيخ جعفر، لائذاً بالجعة المتعرّقة ندىً مثلجاً، قبل أن يعرّج الى المُدام مساءً في حدائق "اتحاد الأدباء". كانت أغلب حانات السعدون في الطابق الثاني من المباني التي لا تتعدى الطابقين. هذه الحانات كانت تقدّم مازة لبنانية، غير العراقية المتكوّنة من صحن "اللبلبي" (كلمة تركية تعني الحمّص المسلوق) وصحن الباقلاء والجاجيك، وهو عبارة عن اللبن الخاثر يضاف اليه الخيار المقطع والثوم.
مائدة حسب الشيخ جعفر، كانت دائماً لا تتعدى الشخصين، المترجم سامي محمد وسليم السامرائي، أو ثالثاً غير مرغوب فيه. فحسب شخص هادئ وبالكاد تسمع صوته إذا نطق وتكلم.
إذا تخطينا السعدون قليلاً ومررنا ببعض الحانات والملاهي الليلية والسينمات، سنعثر على حانة "النصر" إلى جانب "سينما النصر". كانت هذه الحانة الصغيرة والوديعة تشكل ملاذاً للصحافيين الشيوعيين العاملين في صحيفة "طريق الشعب". وكان من روّادها الدائمين الشاعر الرومنطيقي المرهف رشدي العامل وشلة من أصحابه اليساريين الكتّاب والأدباء.
مصايف لبنان
حين نصل الى "ساحة قهرمانة"، كنا نجد حانة شفيفة اسمها "مصايف لبنان". إلى هذه الحانة كان يأتي سعدي يوسف، كون مكتب عمله في مجلة "التراث الشعبي" يطل عليها. في "مصايف لبنان" كنا نلتقي سعدي، فتمتد الجلسات من الظهيرة حتى المساء، مع ثلة من الشعراء والنقاد والمترجمين.
في تلك الأثناء كان سعدي يوسف يحدّثنا عن ظروف ترجمته للشاعر اليوناني الكبير يانيس ريتسوس، وعن جو المتعة التي كانت تنتابه وهو يترجم ذلك الشاعر الذي كان يعدّ من أعظم شعراء القرن العشرين. وكان سعدي قد اصدر للتو عن وزارة الثقافة العراقية ترجمة ديوان "أوراق العشب" لوالت ويتمان، الشاعر الأميركي الذي نادى مبكراً بالتحرر والاشتراكية ونبذ القيود على الحريات الشخصية.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard