ثورة مصر إلى وضوح: لا سلفية ولا إخوانية... ولكن

4 آذار 2014 | 00:00

السيسي: استمرار للقومية المصرية وليس لعبد الناصر. (ارشيف "النهار")

ثورة مصر التي انطلقت في مطلع 2011 تستمر اليوم، وقد بدأت منذ شهور تتخذ مساراً أكثر وضوحاً. وهذا المسار يبتعد تدريجاً عن محاولات أخذها بالقوة إلى متاهات الاسلام السياسي، من أخواني وسلفي، ويموضعها في بيئة حاضنة أكثر مصرية واعتدالاً.

ما تشهده مصر من أعمال إرهابية اليوم ينمّ عن وصول الاسلام السياسي إلى طريق مسدود، وهي أعمال تشد من عصب الشعب المصري ضدها.

مدنية وعسكريتاريا وصوفية
قبل عامين ونصف كتبتُ مقالاً بعنوان "لن تنجوَ ثورة عربية بدون وضوح الرؤية في مصر" ("النهار" 4 آب 2011). واليوم استطيع القول إنّ الرؤية بدأت تتضح في مآل الأحداث المصرية، فمسار ثورتها لن يكون أخوانياً أو سلفيّاً بل سيتلاءم مع مزاج الشعب المصري وثقافته السياسية الممتدة من ثورة 1919 الى ثورة 1952. بل أستطيع القول منذ عهد محمد علي باشا.
وهذا المزاج مثلّث الضلع ما يوحي بأنّ الصراع ربما سيستمر لعامين أو أكثر قبل أن تصل الثورة إلى قرار. وهذه الأضلاع الثلاث هي:
1. الحداثة المدينية:
التي وُلدت في القاهرة في منتصف القرن التاسع عشر وعرفها العرب على أنّها "النهضة العربية المعاصرة" وعموماً لبوسها هو قومية مصرية عصرية شملت بعض التلوينات العروبية التي ساهمت فيها "هجرة الشوام" (أي اللبنانيين والسوريين).
2. الطرق الصوفية:
وقد تجذّرت في النفسية المصرية منذ قرون وأدّت إلى إسلام محلي يعتنقه المصريون ببساطة مهما بلغت ثقافتهم ونسبة إلحادهم (حتى الشيخ إمام الماركسي يُنشد بدون خفر "سألت شيخ الطريقة") وحتى القبطي المصري يحمل هذا التراث الصوفي في حياته الاجتماعية كما يحمل المسيحي اللبناني بعض السوسيولوجيا المسلمة.
3. العسكريتاريا المصرية:
وقد تمظهرت برداء العروبة مع جمال عبد الناصر 1952-1970. والتي ترتدي دوماً رداء قومية علمانية مصرية يرفدها تآخي الأقباط والمسلمين وأحياناً وحدة وادي النيل. فقد افتتح محمد علي باشا في مطلع القرن التاسع عشر "عودة الفرعون" كقائد عسكري وزعيم سياسي مركزي (1805 – 1848) وتواصلت هذه الظاهرة مع ابنه ابرهيم باشا وثورة القائد العسكري أحمد عرابي (1881) ومع جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك وحالياً مع عبد الفتاح السيسي. ولضيق المجال نقترح مراجعة كتاب أنور عبد الملك Égypte : société militaire وكتاب إليعازر بئيري Army Officer in Arab Politics and Society.
في حزيران 2013 رفض الشعب المصري الاخوان المسلمين والسلفيين معاً. وخرجت تظاهرات في أنحاء البلاد قُدّر عدد المشاركين فيها بما يفوق 30 مليوناً. خرجت مصر لترفض الإسلام المنظّم الوليد من بزّة حسن البنّا العسكرية ولترفض السلفية التي ليست من تقاليد مصر الاسلامية.
وحتى لا يُفهم خطأ، فإنّ الاسلام المصري ليس سياسياً كما تمارسه تركيا أردوغان (اسلام تركيا يشمل عضوية الناتو وصداقة اسرائيل والانضواء في النيوليبرالية الاقتصادية). بل هو حالة اجتماعية مصرية حيث ثمّة مغزى كبير لعبارة "ما تبقاش حنبلي" في الأفلام المصرية. والإسلام المصري سلِس وبدون "تكليف"، يهوى احتفالات الموالد ويتقرّب من مشايخ الطريقة الصوفية ويقولب الحياة اليومية باحتفالات وطقوس ألِفها منذ مئات السنين. نراها في الأفلام ونقرأها في الروايات المصرية وكأنّها canvas منسجم في النسيج الاجتماعي المصري.
أما الجماعات السلفية وإن كانت عناصرها من الشباب المصري، إلا أنّ تشددها في الدين غريب عن المجتمع المصري. والشارع المصري يراها نتاج هجرة المصريين إلى دول الخليج منذ أواخر الستينات وحتى اليوم.
نقول إنّ هذا المزيج من الصوفية والعسكريتاريا والفئات الحداثوية (من أحزاب ومجتمع مدني وفنانين وكتّاب وصحافيين وشعراء) هو صاحب الشأن الآن في مصر وليس الإسلام السياسي. وهو ما بات واضحاً في الثورة. ولكنه ليس الغاية النهائية بل المطلوب الانتقال إلى مرحلة ثالثة تتجاوز اسقاط مبارك واسقاط حكم الأخوان: مرحلة ارتقاء مصر إلى تحقيق أماني شعبها في الرقي والازدهار والعدالة الاجتماعية، في قالب ديموقراطي يضمن تدعيم المؤسسات الدستورية من مجلس شعب ورئاسة جمهورية وحكومة وجسم قضائي مستقل (وقد قيل دوماً "في مصر قضاة").

الاخوان: "جرى إيه"؟
ورب سائل يستغرب استثناء الأخوان من مسار الثورة لأنّهم أبناء حركة وُلدت في مصر عام 1928 ولها تاريخ طويل في السياسة والمجتمع. والتفسير المباشر هو أنّ الشعب رفضهم بسبب محاولة فرضهم من الخارج ومن الخليج وتركيا تحديداً، وبسبب انضوائهم في تنظيم عالمي أفقدهم هويتهم المحلية. أضف أنّ عمل الأخوان في الثورة كان مشيناً، بدءاً بخطف الثورة من الشعب وتوجيهها بالقوة نحو دولة محافظة لا تشبه مصر ثم ارتدادهم إلى الارهاب بعد عزل محمد مرسي، وهو ما مارسوه في الخمسينات والستينات من القرن العشرين.
وثانياً، كان واضحاً للمصريين في عهدي السادات ومبارك أنّ الأخوان كانوا دئماً مع تركيبة الفساد الحاكمة. ففيما كان الشعب المصري يعاني من الإفقار وتقوم "القطط السمان" بابتلاع الثروة الوطنية، غابت قوى الاسلام السياسي عن القضايا الاجتماعية. وكان قادة هذه الجماعات يكرّرون أنّ الشأن الاجتماعي ليس مهماً، واقتصرت مساهماتهم على افتتاح المدارس والعيادات الصحية كنشاط خيري غايته الترويج الإيديولوجي والتجنيد وغسل أدمغة الفقراء. هم لم يدعموا مطلقاً نضال الشعب المصري ضد النظام السياسي الاقتصادي المسؤول عن إفقارهم، واقتصر نشاطهم في البرلمان على محو انجازات ثورة يوليو كالإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي والرجوع عن مكتسبات المرأة المصرية وتبرير قبول الفقر والغنى بنصوص دينية.
وثالثاً، لم يحدث قط أن حمل الاخوان في مصر والجماعات التكفيرية في سيناء راية فلسطين ولم ينتقدوا السادات ومبارك على تهورهما في ضرب موقع مصر العربي حتى من موقع قومي مصري. وهم اغتالوا السادات في عام 1981 ليس بسبب صلحه مع اسرائيل، بل بسبب نزاعه معهم ورميه زعماءهم في السجون.

ولكن....
إنّ عناصر الحلف الجديد في مصر بأضلاعه الثلاث (الحداثويين ذوي التوجه القومي، والعسكريتاريا، وعامة الشعب الذي نشأ على الفطرة الصوفية)، قد تعمل على الإصلاح الاجتماعي والسياسي وعلى مكافحة الفساد. وهي أمور على أي حال لطالما ذكرها المحلّلون على أنّها سبب الثورة.
ولكن ماذا عن مسار الثورة بالنسبة لموقع مصر العربي الذي لا يزال مفتقداً منذ 1970؟
إنّ فترة الاربعين عاماً التي تلت وفاة جمال عبد الناصر عام 1970 قد أبعدت مصر عن الزعامة العربية فأدخلها أنور السادات وحسني مبارك في متاهات التخبّط في الهوية الوطنية ورافقها صعود جماعات التكفير والاخوان إلى جانب حكم رجعي متصالح مع اسرائيل ومعادٍ للقوى المدنية والعلمانية في المجتمع.
والجواب أنّ الشعب المصري حاسب السادات ومبارك بسبب فسادهما وليس لابتعادهما عن الناصرية. فقد مثّل السادات ومبارك العسكريتاريا المصرية أفضل تمثيل وخدماها بدرجات فاقت عبد الناصر (وما المساعدات الأميركية السنوية إلا جزء من هذه الخدمات لنخب العسكر المصري). بل الفارق كان أنّ عبد الناصر اعتنق القومية العربية ومَن تلاه (السادات ومبارك) اعتنق القومية المصرية.
الواضح حتى الآن أنّ المشير عبد الفتاح السيسي هو استمرار للقومية المصرية وليس لعبد الناصر. أما تفسير ذلك بالنسبة لمواقف مصر العربية والفلسطينية، فهو حديث آخر.

استاذ جامعي - كندا

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard