"صفقة القرن" منسوخة عن خطّة إسرائيليّة عمرها 40 سنة!

14 شباط 2020 | 06:00

الرئيس الاميركي دونالد ترامب - الى اليسار - ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الابيض في صورة من الأرشيف. (عن الإنترنت)

عن الخطة الأميركية للسلام في الشرق الأوسط المعروفة بـ"صفقة القرن" والتي كشفها الرئيس دونالد ترامب في 28 كانون الثاني الماضي، كتب قائد القوات الإسرائيلية في مدينتي بيت لحم والخليل بالضفة الغربية بين عامي 2001 و2004 يهودا شاؤول، في موقع مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، أن هذه الخطة لم تأتِ بجديد وهي منسوخة عن خطة إسرائيلية عمرها 40 سنة.

قال شاؤول إن ترامب ومساعديه يفاخرون بأنفسهم على أنهم يفكرون خارج المألوف وأنهم يتحدون بجرأة الأفكار السائدة. ويقول جاريد كوشنر صهر ترامب ومستشاره الرئيسي لشؤون النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي ومهندس خطة السلام: "لقد انتهجنا مساراً غير تقليدي". ويضيف: "إذا ما ركزت الناس على القديم، ونقاط المحادثات التقليدية، فإننا لن نحرز تقدماً في يومٍ من الأيام".

ورأى الكاتب أن خطة ترامب هي فعلاً تقليدية بكل معنى الكلمة. وهي في الحقيقة تحمل شبهاً كبيراً مع خطة أخرى طرحت قبل 40 سنة. ففي عام 1979، نشرت المنظمة الصهيونية العالمية خطة بعنوان "الخطة الرئيسية لتطوير المستوطنات في يهودا والسامرة، 1979-1983" صاغها ماتيتاهو دروبلس، العضو السابق في الكنيست عن كتلة حيروت الليبرالية، التي كانت مقدمة لتشكيل حزب ليكود الحالي، ورئيس قطاع المستوطنات في المنظمة الصهيونية العالمية، الهيئة المسؤولة عن التخطيط وبناء المستوطنات.

وأوضح أن خطته كانت عبارة عن محاولة مفصلة لتنفيذ خطة وزير الزراعة آنذاك أرييل شارون لتوسيع المستوطنات، وهي مهمة نفذتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بحماسة كبيرة في السنوات الـ40 الاخيرة، لزرع 640 ألف مستوطن في أنحاء الضفة الغربية. إن رؤية ترامب هي فعلاً خطة دروبلس 2020. وتتشارك الخطتان في اعتقاد واحد، هو أنه يجب ألا تكون هناك سيادة فلسطينية فعلية على الأرض. وتقر خطة ترامب بأن "الضرورة تقتضي فرض قيود على بعض الصلاحيات السيادية في المناطق الفلسطينية". وجاء في خطة دروبلس: "من الأهمية بمكان التأكيد، وبشكل أساسي عبر الأفعال، أن الحكم الذاتي (الذي كان يجري التفاوض عليه كجزء من اتفاقات كمب ديفيد) لن يطبق على الأراضي وإنما على السكان العرب وحدهم". وبكلام آخر، يصرّ ترامب شأن دروبلس قبل 40 سنة، على سيادة إسرائيلية مطلقة على الأراضي بينما يتخلى عن إدارة السكان غير اليهود في هذه الأراضي.

ولفت إلى أن السيادة الفلسطينية على الأراضي لم تكن موضوعة على الطاولة. وفضلاً عن مسألة السيادة على الأراضي، فإن الخطتين تتفقان على سيادة إسرائيلية كاملة على الضفة الغربية. وكما قال ترامب وكوشنر: "إن دولة إسرائيل ستبقى محتفظة بالمسؤولية الأمنية في دولة فلسطين". وبكلام دروبلس "لا يمكن ان يكون ثمة مجال للشك في نياتنا الاحتفاظ بسيطرة أبدية على يهودا والسامرة".

وأضاف أنه لدى مناقشة أهمية الحدود الشرقية لإسرائيل على طول نهر الأردن، تبرّر خطة ترامب وكوشنر السيطرة الإسرائيلية الدائمة على وادي الأردن بالقول: "إن غور الأردن يشكل حاجزاً مادياً على مسافة نحو 4600 قدم ضد أي هجوم خارجي من الشرق. ويمكن القوات الإسرائيلية المنتشرة على طول المنحدرات الشرقية من سلسلة تلال الضفة الغربية، أن تصد جيشاً متفوقاً عددياً، إلى ان تكمل دولة إسرائيل تعبئة الاحتياط".

وذكّر بأن النقاش نفسه حول الحدود الشرقية لإسرائيل يظهر في الوثائق الإسرائيلية المبكرة منذ تموز 1967 في خطة ألون، تلك الخطة التي اقترحها وزير العمل إيغال ألون والتي توصي بضم غور الأردن من أجل نقل الحدود الشرقية لإسرائيل إلى نهر الأردن لإنشاء منطقة عازلة بين الفلسطينيين في الضفة الغربية والأردن. والتقط دروبلس هذه الفكرة بقوله إن المستوطنات في غور الأردن "هي خط دفاعنا الأول في الشرق". وبينما يرغب ترامب وكوشنر في تقديم خطتهما على أنها رائدة، فإن الأرضية لضم غور الأردن كانت مطروحة منذ عقود.

ولاحظ أن التشابه في الخطتين يظهر كم تشكل خطة ترامب امتداداً لعقود من السياسة الإسرائيلية. وليس أدل على ذلك من وعد ترامب بأن إسرائيل "لن يتعين عليها إخلاء أي مستوطنة". وهذا التأكيد ليس إلا عبارة عن تكريس الأمر الواقع، مما يجعل التقسيمات في الأراضي الفلسطينية أمراً دائماً. وهذا الواقع الذي يود ترامب تنفيذه لا يعدو كونه تفتيتاً لفلسطين كاملة، وجعلها أرخبيلاً أكثر منها دولة. لكن هذا ما كان دوماً هدف مشاريع الاستيطان. ومن المهم، يكتب دروبلس عام 1979، "استيطان الأراضي بين مراكز الأقلية (العربية) ومحيطها، من أجل تقليل خطر إيجاد دولة عربية إضافية في هذه الأراضي. وبما أنها ستتقطع بواسطة مستوطنات يهودية، سيكون من الصعب على الأقلية السكانية إيجاد تواصل بين الأراضي وتالياً وحدة سياسية". والآن بعد أربعة عقود، بات حلم دروبلس حقيقة إذا ما صارت خطة ترامب رؤية للمستقبل.

ولكن الكاتب يخلص إلى أن ثمة فارقاً بين دروبلس وترامب. ذلك أن الأول كان نزيهاً ما يكفي للاعتراف بما كان يفعله، لقد كان صريحاً بالقول إن خريطته لم تكن دولة فلسطينية وإنما وسيلة لمنعها. أما ترامب وكوشنر فإنهما يدعمان السياق ذاته من التفكير، ومع ذلك فإنهما يصفان "البانتوستانات" على أنها خطة من أجل "دولتين". ويدعي كوشنر أنه يريد أفكاراً جديدة، لكن خطة ترامب لا تحمل شيئاً جديداً. إن الخطة تؤكد أنه لن تكون هناك دولة فلسطينية في الضفة الغربية، وهذا هو الجوهر الأساسي للسياسة الإسرائيلية منذ عام 1967. إن الجديد هو الجرأة على وصف ما تبقى من فتات الأراضي التي لا تشغلها المستوطنات، بأنه دولة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard