"الإسكوا" في تقرير "التكامل العربي": لا تتحقق المقوّمات في دول مجزّأة

26 شباط 2014 | 00:00

وضعت لجنة الامم المتحدة الاقتصادية لغرب آسيا "الاسكوا" رؤية استراتيجية للتكامل العربي، وذلك في تقرير عنوانه "التكامل العربي: سبيلا لنهضة انسانية". واكدت اللجنة ان مقومات التكامل العربي "لا تتحقق في دول مجزأة" ورأت ان "العمل المشترك حماية للمصلحة العامة وضمانة للسيادة الوطنية".

والرؤية التي يطرحها التقرير هي حصيلة جولة على محطات مرت بها "مسيرة التكامل العربي" في الاقتصاد، والسياسة، والمجتمع والثقافة، والتضامن الشعبي، وعرض لمقومات التكامل الكثيرة في المنطقة وللفرص الضائعة التي افسحت في المجال لتوسع مشاريع بديلة "كرست التشرذم والتطرف والفرقة" وفوتت الكثير من الفوائد التي يمكن ان تكون في متناول المنطقة اذا سارت مجتمعة في مشروع للتكامل "ينطلق من ارادة سياسية صلبة" وتشارك الشعوب في بنائه بما تملكه من تجارب وطاقات ورؤى. وفي ضوء التحديات المزمنة والمستجدة التي يشهدها الوطن العربي، يختصر التقرير مغزى "النهضة الانسانية" بغايات رئيسية ثلاث: صون الحرية والكرامة الانسانية للجميع، وهذا يستلزم اقامة حكم ديموقراطي صالح وتحرير الوطن العربي من جميع اشكال الاحتلال والنفوذ الاجنبي؛ وانشاء بنية انتاجية عربية قوية ومتنوعة دائبة النماء والارتقاء، وإحياء الثقافة ذات الفاعلية الابداعية "باحياء افضل مزايا الحضارة العربية الاسلامية واثرائها بأفضل منجزات الحضارة الانسانية".
ويرى التقرير مقومات هذا النهوض في ارادة مستقلة لجماعة الاحرار، وعلم مبدع يخلق معارف جديدة، وقدرة فعلية هي نقيض القدرة الوهمية، وحياة دائمة التجدد تتوافر شروطها بمشاركة الجميع، وقيام ذاتي يتحقق عندما ينهض كيان فاعل يلتقي افراده حول رسالة معينة.
ويؤكد التقرير "ان هذه المقومات لا يمكن تحقيقها في الدول المجزأة، حيث تتعذر حماية المصالح العامة، ويصعب اكتساب المناعة الضامنة لشروط السيادة والاستقلال، وتشييد بنى اقتصادية تتاح فيها للجميع فوائد التكامل الشامل". لذلك جاء طرح مشروع التكامل العربي من جديد، "شرطاً اساسيا للنهضة والتنمية الانسانية المتواصل في كامل المنطقة العربية"، التكامل الذي يفضي الى اقامة منطقة المواطنة الحرة العربية، حيث يتمتع كل مواطن بحقوق المواطنة في اي دولة عربية.
ويقترح التقرير مجموعة من التوجهات الاستراتيجية للتكامل الداعم للنهضة، توجهات تعبر بالوطن العربي من التشتت الى التكامل ومن الاستباحة الى المواطنة الحرة والنهضة الشاملة. وترتكز هذه التوجهات على ثلاثة اركان: تعاون سياسي يدعم اقامة الحكم الديموقراطي الصالح؛ وتعميق التكامل الاقتصادي باستكمال تنفيذ الاتفاقات القائمة واسترجاع مشروع الوحدة الاقتصادية، والاصلاح الثقافي والتربوي الذي يكوّن اشخاصاً مبدعين قادرين على بناء مجتمعات المعرفة.
ويتضمن التقرير مجموعة اقتراحات للدراسة والنقاش بين القوى الحيّة في الوطن العربي للبحث في السبل الكفيلة بتطوير هذه الاستراتيجية وانفاذها ومتابعتها وتصويبها عند الاقتضاء. "فحتى يسير مشروع التكامل من أجل النهضة من حيز الأفكار الى حيز الواقع المعيشي، لا بد من قرار يدعمه اقتناع بالمفهوم وارادة وامكان للتنفيذ".
والاصلاح الذي يدعو اليه التقرير على محاور عدة لا يستثني الاصلاح الثقافي بما فيه النهوض باللغة العربية واصلاح الفكر الديني. وقد بات هذا الاصلاح ضرورة "لاستنباط حلول تساعد على التخلص من التبعية من حيث هي بنية فكرية وثقافية، فتخرج الأمة من الصراع السطحي المتردد بين الرفض الانفعالي والتقليد الانفعالي لما ابدعته الحضارات الأخرى أو حتى للماضي الذاتي أو الاثنين معاً"... فالاسلام، بحسب التقرير، "يتخلى عن خصائصه الثورية ما لم يكن اصلاحاً دائماً يتجاوز سطح الأقوال والأفعال للوصول الى معانيها العميقة".
وما يُقرأ في الاصلاحات التي يقترحها التقرير في السياسة والاقتصاد والثقافة والدين، دعوة ملحة الى انهاء الصراع المتصاعد بين دعاة التحديث ودعاة التأصيل، وقد انتهج الطرفان نهج إلغاء الآخر، وأغرقا الأمة العربية في صراع مقيت حاد بها عن مسار البناء الجديد. أما الحل فيراه التقرير فقط في العزوف عن المقابلة بين الحداثة والأصالة، وعن المغالاة في هذه وتلك، للانتقال الى الحداثة الأصيلة التي هي عينها الأصالة الحديثة، وتعني توافقاً تاماً بين حقوق الانسان ومقاصد كل شرع لا تتنافر قيمه مع قيم العقل".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard