جونسون... تفويض مُطلق لتحديد أي "بريكست" يريد

14 كانون الأول 2019 | 06:30

رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون لدى وصوله الى مقر رئاسة الوزراء في "10 داونينغ ستريت" بوسط لندن أمس. (أ ف ب)

مع فوزه الساحق في الانتخابات النيابيّة البريطانية، بات بوريس جونسون مطلق اليدين لتحديد شكل "بريكست" الذي يريده، سواء فضل البقاء قريباً من الاتحاد الأوروبي أو الابتعاد عنه، على ما يرى المحللون.

كتب مدير مركز الدراسات "سنتر فور يوروبيان ريفورم" تشارلز غرانت على "تويتر": "مع امتلاكه غالبية واسعة، في إمكان بوريس جونسون تجاهل +مجموعة البحث الأوروبي+"، الجناح الأكثر تشدداً حيال أوروبا في حزبه المحافظ، "واختيار بريكست أكثر ليونة إن شاء".

وفاز المحافظون بقيادة جونسون الخميس بغالبية مريحة جداً في مجلس العموم وكسبوا عشرات المقاعد الإضافية عنهم في الانتخابات السابقة عام 2017، استناداً إلى استطلاع للرأي أجراه معهد "إيبسوس/ موري" عند الناخبين من مراكز الاقتراع. وتمكن المحافظون من انتزاع مقاعد من العماليين داخل "جدارهم الأحمر"، وهو قوس يمتد من شمال ويلز إلى شمال إنكلترا، مما يشكل ثورة حقيقية.

وفي الاستطلاع الذي أجراه معهد "إيبسوس/ موري" لحساب وسائل الإعلام البريطانية، حصل حزب المحافظين على 368 مقعداً من أصل 650 في مجلس العموم، مقابل 191 مقعداً لحزب العمّال.

وأمس، أعلن زعيم حزب العمّال جيريمي كوربن أنّه يشعر بـ"خيبة أمل شديدة" نتيجة الانتخابات النيابية ولذا فإنه "لن يقود الحزب في الانتخابات المقبلة".

وتكبد العماليون خسائر تاريخية كما أظهر الاستطلاع. وأوضح الأستاذ في كلية "لندن سكول أوف إيكونوميكس" طوني ترافرز أن "كون الحزب المحافظ يمتلك الآن مقاعد في شمال إنكلترا وميدلاندز التي لا تزال تضم عدداً كبيراً من الصناعات التحويلية وبعض الزراعة، وهي مجالات ستتضرر بشدة في حال حصول بريكست متشدد أو عدم التوصل إلى اتفاق على "بريكست"، فإن ذلك يجعل من الأصعب على بوريس جونسون اعتماد أي خيار غير بريكست ليّن".

وسخّر جونسون أطباعه المندفعة في خدمة حملة انتخابية تمحورت بشكل أساسي على "بريكست"، مردداً شعار "أنجزوا بريكست"، مع الحرص على عدم توضيح خياره في هذا الصدد.

فهل يود طلاقاً يبقي علاقات وطيدة مع الاتحاد الأوروبي، الشريك الاقتصادي الأول لبلاده، أم يفضّل انفصالاً مع الابتعاد عن المعايير المشتركة حتى الآن بين الطرفين، وخصوصاً على الصعيدين الاجتماعي والبيئي؟

وكان عدد من القادة الأوروبيين، ولا سيما منهم المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، قد حذّروا من خطر قيام منطقة أشبه بسنغافورة على نهر التيمز، تكون بمثابة جنة ضريبية تعتمد نظاماً مالياً متفلتاً من أي ضوابط وتنافس الاتحاد الأوروبي عند أبوابه. وهم يعتزمون استئصال مثل هذا المشروع قبل ولادته خلال المفاوضات في شأن العلاقة البريطانية - الأوروبية مستقبلاً التي تبدأ بعد 31 كانون الثاني، أي بعد موعد "بريكست".

وهدف هذه المفاوضات التوصل إلى اتفاق تجاري بحلول نهاية كانون الأول 2020 عند انتهاء الفترة الانتقالية المنصوص عليها في اتفاق الخروج الموقع بين لندن وبروكسيل، والتي يمكن تمديدها حتى سنتين.

وفي ضوء حجم انتصار جونسون، ترى مجموعة "أوراسيا" أنه "لن يكون مديناً لمؤيدي بريكست المتشددين في مجموعة البحث الأوروبية التي لو لم يحصل إلّا على غالبية ضئيلة لكانت تمتعت بنفوذ أكبر بكثير. وسيترتب على جونسون أن يقرر ما إذا كان يود المواءمة مع تنظيمات الاتحاد الأوروبي، أو الابتعاد عنها بشكل واضح".

وأعطى رئيس الوزراء بعض المؤشرات لنياته هذا الأسبوع خلال الحملة الانتخابية، إذ رأى أن "الاتفاق الموقع مع بروكسيل يعني أننا نخرج من الاتحاد الأوروبي مع الحفاظ على علاقتنا بلا مساس، من دون رسوم جمركية ومن دون حصص".

وقال إن "الاتفاق يحمي سلسلة مصدّرينا... ويضمن امتلاكنا معادلات كاملة على صعيد المعايير وحاجات الصناعة"، موحياً بأنه يؤيد المواءمة مع الاتحاد الأوروبي. إلّا انه في المقابل لم يكفّ عن امتداح الاتفاق التجاري الكبير الذي يسعى إلى توقيعه مع "صديقه" الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غير أن ذلك سيكون في غاية الصعوبة في ظل مثل هذه المواءمة مع التنظيمات الأوروبية.

ولاحظ سام لو من "سنتر فور يوروبيان ريفورم" أن انتصاره "يزيد فرص اتفاق تجاري سريع مع الولايات المتحدة، ويسمح له بتقديم التنازلات التي تطالب بها واشنطن وإن تكن تثير استياء عدد كبير من النواب".

ولكن حتى إذا تمكن رئيس الوزراء المحافظ من تنفيذ وعده الأبرز على وجه السرعة، فإن ذلك لن يكون نهاية النفق بالنسبة إلى الاقتصاد البريطاني مع بدء أشهر بل ربما سنوات من المفاوضات التجارية المحفوفة بالمخاطر مع الاتحاد الأوروبي.

وبدا المستثمرون مرتاحين في الوقت الحاضر إلى نتيجة الانتخابات النيابية، وانعكس ذلك على البورصة، إذ سجل مؤشر "فوتسي 100" المؤلف من الشركات المئة الكبرى المدرجة في بورصة لندن ارتفاعاً بنسبة 1,43 في المئة، في حين وصل ارتفاع مؤشر "فوتسي 250" الموسع الأكثر تمثيلاً للاقتصاد البريطاني إلى نسبة 4,2 في المئة، محققا أرقاما قياسية تاريخية.

أما الجنيه الإسترليني الذي يعتبر مؤشر الأسواق في شأن "بريكست"، فحقق ارتفاعاً كبيراً خلال الليل وتخطى لفترة عتبة 1,35 دولار، بالغاً أعلى مستوياته منذ 18 شهراً. وفي مواجهة الأورو، استعادت العملة البريطانية لفترة قصيرة مستواها في تموز 2016 بعيد الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي. وقال الخبير الاقتصادي في شركة "بانثيون ماكرو إيكونوميكس" سامويل تومبز، ملخصا الشعور العام، إن الغالبية الكبرى التي يتمتع بها المحافظون "ستسمح للاقتصاد باستعادة أنفاسه، وهو ما كان في حاجة ماسة إليه".

وإذا كان عدد كبير من رؤساء الشركات صوتوا ضد الخروج من الاتحاد الأوروبي، إلا أنهم يطالبون الآن في معظمهم بتبديد الأجواء الضبابية المخيمة على السياسة والاقتصاد والتي انعكست سلباً على النمو المعدوم حالياً.

وسارعت المديرة العامة لكونفيديرالية الصناعة البريطانية "سي بي آي" كبرى المنظمات بريطانية لأرباب العمل، إلى دعوة جونسون عبر "تويتر" إلى "استخدام تفويضه القوي لإعادة بناء الثقة ووضع حد لحلقة من الغموض" حول "بريكست".

وأعلنت غرف التجارة البريطانية أن "أوساط الأعمال في حاجة إلى خطوات حاسمة وسريعة لتفادي خروج فوضوي من الاتحاد الأوروبي ولإسقاط الحواجز التي تعيق الاستثمار والنمو في المملكة المتحدة".

وخلصت روث غريغوري من شركة "كابيتال إيكونوميكس" إلى أنه بمعزل عن "بريكست"، سوف تطوي الحكومة الجديدة صفحة "عقد من التقشف، ومن المتوقع أن يحظى الاقتصاد قريباً بدفع مالي كبير".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard