ليبيا تترنّح بين خرائط طريق متنافسة وشبح انقلاب الحراك الشعبي يضغط على المؤتمر العام ولكن لا حلّ في الأفق

15 شباط 2014 | 00:00

محتجون ليبيون يحملون لافتات كتب فيها: "لا لخارطة طريق الإخوان في ميدان الشهداء بطرابلس أمس. (رويترز)

قبل أيام من ذكرى "ثورة 17 فبراير”، لا أسباب تدفع الليبيين إلى الاحتفال. فالأزمة السياسية الدستورية أفضت إلى شبه انقلاب سبقه فراغ وشلل سياسيان. والانفلات الأمني استفحل في الجنوب وتمدد في بنغازي ودرنة وطرابلس. وإذ يعيد بعض التشريعات إلى الأذهان ممارسات العقيد معمر القذافي، يبدو أن ليبيا المهددة بالتقسيم لم تخرج من ظلام عهد الجماهيرية.

كان الليبيون يستعدون ليوم جديد من الحراك الشعبي الرافض لتمديد المؤتمر الوطني العام لنفسه حتى نهاية السنة بعد انتهاء ولايته في 7 شباط، فاستفاقوا على شبح انقلاب.
وعلى خطورة الحدث، فإنه لم يكن مفاجئاً كلياً. الخميس أورد موقع "بوابة الوسط" أن اجتماعاً عقد أخيراً لضباط كبار أثار لغطاً، وخصوصاً بعد إعلان وزير الدفاع عبدالله الثني "إجهاض" اللقاء والتحقيق مع ضباط لصدور مواقف سياسية عنهم. وفي المقابل، أوضحت مصادر عسكرية أنه كان للبحث في تداخل الصلاحيات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وحمل رئيس الأركان اللواء عبد السلام جادالله العبيدي الحكومة مسؤولية عرقلة بناء الجيش.
على هذه الخلفية، أعلن صباح أمس القائد السابق للقوات البرية اللواء خليفة حفتر "خريطة طريق" من خمس نقاط سوف تُكشف تفاصيلها في غضون أيام وتقضي بتأسيس هيئة رئاسية، وتكليف "شخصية وطنية" تأليف حكومة مصغرة، وإنشاء مجلس وطني للدفاع، وتفعيل القضاء والمؤسسات العدلية، وتجميد عمل المؤتمر الوطني العام والحكومة. ونفى أن يكون ذلك انقلاباً "بالمعنى التقليدي".
وكان حفتر اختلف مع القذافي على الحرب مع تشاد في ثمانينات القرن الماضي، وانضم إلى ثورة 2011 بعدما أمضى نحو 20 سنة في الولايات المتحدة. ويُعتقد أنه حالياً في تونس.
ورد اللواء العبيدي بأن عصر الانقلابات ولى وان الجيش يسيطر على الأوضاع، و"لن نسمح باستخدام القوة ضد الشرعية التي اختارها الشعب في انتخابات حرة"، في إشارة إلى المؤتمر الوطني العام. وتحدث رئيس الوزراء علي زيدان عن "قرار صادر منذ فترة بإحالة حفتر على التقاعد".

لمصلحة من؟
وسرعان ما تبنى ناشطون في بنغازي خطاب ابن الشرق، ووصفوه بأنه "سيسي ليبيا" مطالبين بدعم عربي له، في مقارنة مع وزير الدفاع المصري المشير عبدالفتاح السيسي، وفي استعادة لسيناريو عزل الرئيس المصري الإخواني محمد مرسي، وتعبيراً عن النقمة المتزايدة على "جماعة الإخوان المسلمين الليبية" وذراعها السياسية حزب العدالة والبناء. وهذا يتهمه خصومه بإطالة ولاية المؤتمر لأن نجاحه في الالتفاف على نتائج انتخابات عام 2012 قد لا يتكرر، ولرغبته في السيطرة على لجنة الستين التي يُفترض أن تضع الدستور فتُخرِج الوثيقة بتفسير متشدد لأحكام الشريعة يخنق الحريات العامة ويقضي على أي معارضة.
وفي المقابل، وكما الجمعة الماضي وإن بأعداد أقل، خرج عشرات الآلاف في طرابلس إلى ميدان الشهداء، الساحة الخضراء سابقاً. هتفت الحناجر برحيل المؤتمر الوطني العام وهوجم المفتي صادق الغرياني لـ"عدم انحيازه الى إرادة الشعب" وتحريمه التظاهر.
ولا يزال من السابق لأوانه الجزم بأبعاد ما حصل، وإن يكن من الثابت أنه نجح في خلط أوراق الجميع.
واعتبر ناشط سياسي شارك في تظاهرة طرابلس وطلب من "النهار" عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، أن تحرك حفتر موجه ضد "الإخوان" والإسلاميين وخصومهم الليبراليين وفي مقدمهم "تحالف القوى الوطنية" بزعامة محمود جبريل الذي سارع إلى التنديد به وكذلك فعلت فصائل الزنتان. وقال :"قلبي لا يعارض ما قام به لإطلاق عجلة مسار دستوري وإنهاء الشلل، ولكن لا يمكن بناء دولة على ظهر دبابة".
ورأت ناشطة أخرى أن تحركه خدم الإسلاميين الذين ألقوا بثقلهم لإبقاء المؤتمر الوطني العام، وقد يستخدمونه ذريعة لإنزال مسلحيهم إلى الشارع "دفاعاً عن الشرعية". وعبرت لـ"النهار" عن مخاوفها من دفع ليبيا أكثر فأكثر نحو التقسيم. وتحدثت هي أيضاً عن "سيناريو مصري"، لكنه سيناريو 30 حزيران لا 3 تموز، أي مواصلة الحراك الشعبي بزخم كبير بدل اللجوء إلى الخيارات العسكرية.

"الخطة البديلة"
وقبل ذلك، رفضت الكتائب المكلفة أمن الحدود مع الجزائر وتونس تمديد المؤتمر الوطني العام لنفسه. وقررت تلك المسيطرة على منافذ العبور إلى مصر منع أعضائه من التحرك ذهاباً أو إياباً إذا لم يتنحوا. وبينما دعمت فصائل الزنتان النافذة الحراك الشعبي، وصفت نظيرتها في مصراتة المؤتمر بأنه "خط أحمر".
وحتى الآن استقال 28 عضواً فيه على الأقل وأعلن آخرون عزمهم على الاقتداء بهم.
وعشية خطوة حفتر، دعا حزب العدالة والبناء إلى انتخابات مبكرة. وهذا يعني أن تنفيذ "خريطة الطريق" التي وضعها المؤتمر الوطني العام الأسبوع الماضي بدأ فعلاً. فالوثيقة تقضي بعمل لجنة الستين على إنجاز تعديل دستوري بحلول حزيران، على أن يطرح لاحقاً على استفتاء في تموز. وفي حال تبنيه، تُجرى انتخابات عامة في آب. أما اذا أقرت اللجنة بعجزها عن صوغ دستور بعد شهرين من بدء عملها، وهذا مرجح لقصر المهلة، فإن المؤتمر يدعو، بموجب "الخطة البديلة"، إلى انتخابات رئاسية ونيابية لفترة إنتقاليّة جديدة من 18 شهراً تكون الثالثة منذ سقوط نظام القذافي.
وأوضح أن البلاد غير مهيأة للاقتراع في الظروف الراهنة، فالاغتيالات تتفشى مستهدفة قضاة وعسكريين وناشطين، وأعمال الخطف لا تستثني الرضع في المستشفيات، والترويع يطارد الإعلاميين ومكاتب الصحف ومحطات التلفزة التي تُستهدف بالقذائف، وآخرها قناة "العاصمة" الثلثاء. ومن المستبعد نجاح السلطات في إجراء انتخابات لجنة الستين الخميس.
وبما أن التاريخ الليبي الحديث طُبع بمزاجية القذافي واستبداده الذي اختزل البلاد بشخصه، لا يمكن العودة إلى سوابق تكون خريطة طريق واقعية. فهل تُسلم السلطة إلى المجلس الأعلى للقضاء؟ أم تجوز العودة إلى دستور عام 1951، كما رأى رئيس الوزراء السابق عبدالرحيم الكيب، باعتبار أن القذافي لم يلغه بل علق العمل به؟
أسئلة لا تجد أجوبة بينما ينصرف المؤتمر الوطني العام لتحقيق مصالحه الآنية. إذ عدل المادة 195 من قانون العقوبات التي كانت تحظر المس بـ"ثورة الفاتح من سبتمبر" أو "قائدها" القذافي، فاستبدلها بمنع التعرض لثورة لـ" ثورة17 فبراير" والسلطة التشريعية التي يمثلها. واسترعى الانتباه أن القانون الجديد الذي حمل الرقم 5 لسنة 2014 أسقط معاقبة من "أهان علانية الشعب العربي الليبي".

الفشل الأمني
أما في الجنوب، فقد عاود موالون للقذافي الظهور، مما دفع الجيش و"غرفة ثوار ليبيا" إلى إعلان النفير العام والاستعانة بمقاتلي مصراتة. وتروج صفحات في موقع "فايسبوك" لرجوع نجله الساعدي من النيجر لـ"يقود معارك في كل ليبيا" انطلاقاً من سبها التي شن الجيش غارات عليها، تمهيداً لإطلاق شقيقه سيف الإسلام.
ورأت صحيفة "ليبيا المستقبل" أن الجنوب تحول مسرحاً لتقاطع مصالح المنهزمين في الجبهتين الماليانية والليبية، ومعهم المعارضة التشادية. وكان وزير خارجية النيجر مسعودو حاسومي طالب باريس وواشنطن بالتدخل العسكري للقضاء على "التهديد الإرهابي" في جنوب ليبيا. ورد وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس بأن الأمر غير وارد، والمجتمع الدولي سيكتفي بعقد مؤتمر "أصدقاء ليبيا" في روما الشهر المقبل.
على هذه الخلفية، وحده فوز المنتخب الوطني لكرة القدم بكأس الأمم الإفريقية للمحليين في الأول من شباط شكل لحظة وحدة وومضة فرح تبددت سريعاً. فقبيل الذكرى الثالثة للثورة، تبدو ليبيا محاصرة بين مطرقة فشل الحكم الانتقالي وسندان الانفلات الأمني. يوماً بعد آخر، يزداد تيه البلاد على مفترق طرق بخرائط متنافسة لا تؤدي إلا إلى المجهول.

sawssanabouzahr@annahar.com.lb
Twitter:@sawssanabouzahr

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard