الفنّ كعذابٍ انسانيّ

15 شباط 2014 | 00:00


"إن ما يمكننا قوله، هو أن مراحل عدم الاستقرار والقلق، في شكل عام، وحتى العذاب في بعض الحالات، تشكل أرضاً خصبة لظهور قصص وروايات معينة. إذ حين يكون أناس كثيرون قابلين للانطواء على أنفسهم، فسيبحثون حينها في خيالهم عن أمور لم تتحقق لهم في الواقع، مما يسمح بظهور الأفكار الطوباوية".
ريجيس ميساك

إذا كانت اليوتوبيا، وهي الكلمة التي ابتكرها توماس مور عام 1516، محاولة استحضار واقع مثالي، خالٍ من الأخطاء، فإن الطوباويين كانوا ابتكروا، عموماً، أمكنة متخيلة لتجنب الوقوع تحت سوط السلطات الدينية أو السياسية. هذا المكان المتخيل قد يكون بلداً سحرياً بعيداً أو أسطورياً كما في "مغامرات تيليماك"، الرواية التي كتبها فينيلون، رجل الكنيسة الفرنسي، عام 1699، وقد يكون جزيرة غير معروفة كـ"جزيرة العبيد"، التي اخترعها ماريفو، الذي كان بدوره كاتباً فرنسياً عُرف عنه ميله نحو الوحدة والإنغلاق على الذات.
على أن العالم المتخيّل قد يكون شديد التنوع، ولا يخضع للأسباب والعوامل نفسها في كل زمان ومكان. إذ قد يسعى الى تمثيل كتابات وأساطير وردت في الأزمنة القديمة، وذلك على نحو مجازي قد لا يخلو من الرموز. هذا الحكم ينطبق على ساندرو بوتيتشللي، أحد أبرز فناني عصر النهضة الفنية في ايطاليا. كان بوتيتشللي مقرباً من دائرة لوران دي ميديتشي، سليل العائلة العريقة التي حكمت فلورنسا لفترة تناهز الـ300 عام، من ثلاثينات القرن الخامس عشر إلى ثلاثينات القرن الثامن عشر. لورنزو المذكور، الذي أطلق عليه لقب "لورنزو المدهش"، لم يكن ذا طلعة بهية، كما يمكن أن يُستنتج من لقبه، بل نال هذه الصفة لما كان اكتسبه من ثقافة جعلت منه شاعراً، وكذلك لتبنيه الفنانين ودعمهم. هذا في الوقت الذي كان لورنزو ذا علاقة وثيقة بأفكار الأفلاطونية الجديدة، المحببة لدى عائلة ميديتشي في شكل عام (الإفلاطونية الجديدة هي عبارة عن مجموعة من العقائد الفلسفية التي نشأت من مزاوجة فلسفة افلاطون مع أجزاء من فلسفة أرسطو والرواقيين وعناصر شرقية مسيحية وصوفية).
نحن، إذاً، في صدد أفكار تمت بصلة وثيقة الى المثاليات. وإذا كان أحد أقرباء لورنزو المدهش هو مَن طلب من بوتيتشللي تنفيذ اللوحتين الشهيرتين، "الربيع" و"ميلاد فينوس"، فقد حمّل الفنان الفلورنسي لوحتيه مضموناً يتناسب مع الأفكار المذكورة، مستنداً الى كتابات الشاعر اللاتيني أوفيد، الذي عايش ولادة الامبراطورية الرومانية، وطبّق روزنامة الفصول ارتكازاً على الميثولوجيا الاغريقية والرومانية. عليه، أتت أجواء لوحة "الربيع" لتعكس ذاك المنحى المثالي، الطوباوي: فرح واسترخاء في حديقة فينوس، إلهة الحب والجمال، حيث تسير الأحداث في شكل تسلسلي، من الهواء الدافئ الذي ينفثه إله الريح الغربية عند اليونان وروداً متناثرة على ثوب حورية، مروراً برقصة إغواء تنفذها جميلات ثلاث أمام فينوس، وصولاً الى عطارد الجاهز لإبعاد الشر عن الحديقة بواسطة عصاه المرفوعة، والسيف الذي يزيّن وسطه. هذا الجو ينطبق ايضاً على لوحة "ميلاد فينوس"، حيث ترى الإلهة المولودة من مياه البحر وأمواجه، محمولة على صدفة، عارية كما يجب أن تكون لحظة الولادة، قربها حورية تحمل رداء أحمر بقصد تغطية الجسد ذي التناسق البديع، في حضور إله الريح الذي ما فتئ ينفث هواءه الدافئ، مع الاشارة إلى أن كل ما تم ذكره من حوادث ينطلق، دائماً، من الأوصاف الواردة في أشعار أوفيد.

التخطيطات المستحيلة
عُرف الفنان الهولندي موريتس كورنيليس إيشير (1972 – 1898)، بمحفوراته وبالـmezzotintos التي مثلّت أشكالاً بنائية مستحيلة التحقيق في الواقع، إذ غاصت في استكشاف اللانهائي واللامحدود، عبر بعدين أو ثلاثة أبعاد من خلال مساحات إشكالية تتحدى أشكال التمثيل التقليدية. هذا الأمر أغوى العلماء الرياضيين الذين حاولوا تصنيف إيشير كواحد منهم، لكن الفنان رفض هذه الفرضية، بعدما قال عن نتاجه: "إن هذا كله لا يساوي شيئاً قياساً لما أراه داخل رأسي".
أثار الحيز المكاني، الذي ابتكره إيشير، اهتمام عدد متزايد من الأشخاص المشغوفين باحتمالات التلاعب بالحقيقة الفيزيائية من طريق الرسم. في "صعود وهبوط" نرى صفوفاً من البشر يتسلقون سلالم ويهبطون في حلقات متناهية، ضمن بناء يستثمر خدع المنظور وأساليبه، في حين أن العمارة المرسومة غير قابلة للتشييد في الواقع. أما في اعمال أخرى، فقد لجأ ايشير الى نقاط "هرب" عدة points de fuite، من أجل إضفاء شعور باللانهائي. على هذا الأساس تكتسب أعمال الفنان أهمية رياضية، وقد ساعدت على ترسيخ ذلك علاقة الصداقة التي جمعته مع العالم الرياضي روجر بنروز، مما أغنى عوالمه الغرافيكية. كما نفّذ أعمالاً ترتكز على ما سمّاه المنظور الاسطواني، وأراد أن يبرهن، ببساطة، عبر ذكره مثال الرجل الممدد تحت شريط كهربائي مزدوج، أن المنظور المعروف، مع خطوطه المنطلقة نحو نقطة الهرب، السالفة الذكر، هو منظور خاطئ، إذ إن الخطوط تكون منحنية وغير مستقيمة، وهي تلتقي، عملياً، من جهتي الناظر في امتدادها نحو اللانهائي.
في لوحته غير المكتملة المسماة Exposition déstampes، رسم إيشير رجلاً ينظر الى محفورة في صالة لعرض الأعمال الفنية. لكننا ندرك أن المشاهد، في حال دورانه بعكس عقارب الساعة، فسيرى القاعة التي ستمثل حينها جزءاً من المحفورة قيد المعاينة، ثم يزداد اتساع المشهد شيئاً فشيئاً كأنه واقع في zoom معكوس، الى أن يمثل مرفأً. بتعبير آخر يشاهد الرجل لوحة هو موجود في داخلها. يقول الرياضيون إن إيشير اعتمد في رسمه هذا نظرية برنهارد ويمان، عالم الرياضيات الألماني، هذا في حال لم نذهب أبعد من ذلك في تفسيرات عسيرة. لكن السؤال المطروح هنا: لماذا لا نتابع دوراننا؟ والجواب هو أننا سنقع على دائرة غير مرسومة في وسط اللوحة، وهو اللغز الذي حاولت حلّه مجموعة من الرياضيين. كيف ما كان، يمكن القول إن رسوم إيشير الاشكالية ستقودنا حكماً الى التأمل، وفي ما عدا ذلك، هي ستودي بنا الى متاهات اليوتوبيا، التي يصعب الخروج منها.

كل إنسان فنان
قد يكون الفنان الألماني جوزف بويز من أواخر الطوباويين في عالم مادي عديم الرحمة. لم يأتِ منظوره الفني من فراغ، بل كان نتيجة لمنطلقات مثالية غير قابلة للنقاش، عرفت كيف تقاوم صدمات الواقع. لكن المثير هنا هو كون بويز "تقليدياً"، وأحد رجالات الـavant-garde في الوقت نفسه، وذلك من خلال تعلقه بالماضي البعيد من جهة، كما من خلال دعوته الى اعتماد وسائل تعبير مستقبلية.
تعود ابتكارات بويز ومنجزاته الى سعيه لبناء عالمه الفني على أسس يمكن أن نطلق عليها صفة "وجودية"، وذلك على عكس ما كان يرفضه من لجوء فناني عصره الى بناء إنتاجهم ارتكازاً على سيرة فردية، شخصية. اختار بويز لنفسه شخصية ومظهراً خارجياً تميز بهما، وذلك عبر ارتدائه صدرية واعتماره قبعة، ليكونا علامته الخاصة خلال عمله في مجالات عدة، كفنان أولاً، وكأستاذ في أكاديمية دوسلدورف، ومن ثم كناشط سياسي واجتماعي، علماً ان نشاطاته هذه اتخذت أحياناً طابع السخرية والغموض. لهذا السبب توجهت إليه سهام النقد من معاصريه، الذين أخذوا عليه البعد الصوفي لأعماله، وميله للعودة الى التاريخ، أو في شكل أدقّ، محاولة استرجاعه واستصلاحه، اضافة الى إتهامه بالنزعة الى عبادة الشخصية.
ليس هناك من شك في أن عالم بويز السحري، كما نتاجه وشخصيته، أديا الى إعادة النظر في بعض الأحكام التي أُطلقت في وجه الفن الالماني. هذا مع العلم أن بويز لم يكن فناناً "إكليكتيكياً"، كما لم يكن من أتباع التعبيرية الجديدة، ناهيك بعدم إمكان تصنيفه ضمن خانة الوحشيين الجدد. لكن نتاجه لم يكن ليرى الضوء إلاّ في المانيا، وليس في بلد مجاور كهولندا مثلاً، وهو البلد الذي يهوى طرح الاسئلة الكبيرة، وليس من قبيل المصادفة أن فنانين كبازليتس وبنك، اللذين يمثلان الاتجاه التصويري التعبيري الجديد، كان أتيا من المانيا الشرقية، ويمكن أن نضيف اليهما ريختر وبولك وغروبز وآخرين. كان بويز الممثل الرئيسي لحركة Fluxus (تعود هذه التسمية الى عبارة هيراقليط الذي قال ان الوجود في مجمله يمر بمدٍّ Flux من الخلق والدمار). بالنسبة الى بويز، كما بالنسبة الى أتباع هذه الحركة، الفن هو الحياة، والفن كفعل أهم من العمل الفني نفسه، ولا شك في أن الفنان كان تأثر برودولف ستاينر، الذي صنّف مبدأ الحرية كهدف أعلى للمجتمع، عليه، فإن بويز يقع في قلب الاتجاه الرومنطيقي الالماني. هذا، علماً أن الفنان كان أكمل انطلاقة مارسيل دوشان وحركة دادا، لذا فقد تخطى، في أعماله، إطار النحت الكلاسيكي، من خلال مفهومه حول الـart élargi. هكذا اعتبر النتاج الفني كعملية تأمل مفتوحة على مجالات عدة، وعلى أبحاث تهدف الى تفسير الانسان والعمل الانساني. على هذا الأساس وضع مفهوم "النحت الاجتماعي" كمحاولة لمصالحة الفرد مع محيطه، والجمع بين الانسان والفن، وهو ما رمى الى تكريسه في نشاطاته السياسية.
على أن نتاج بويز كان مجازياً الى حد بعيد، وأُطلقت عليه تسمية "الميثولوجيا الشخصية". الصلبان الحمراء التي تظهر في بعض أعماله تذكّر بعذابات خفية، شخصية أو مستوردة من سير السالفين. هذا المنحى الرمزي يظهر ايضاً في طريقة استعماله المواد غير التقليدية، وكأن نتاجه كان يطمح الى اتخاذ صفة علاجية، بهدف تخليص المجتمع من آلامه. وإذ كان إيمانه بـ"الانسان" كبيراً، فقد أكد في عبارة شهيرة: “إن كل انسان فنان"، مضيفاً: ان هذا لا يعني هو مصوّر أو نحات، ولكن هناك نوع من الخلق في كل مجالات النشاط الانساني، وكل انسان يستطيع، أو يجب عليه، أن يشارك في عملية تحويل الجسم الانساني ككل، ليكون في إمكاننا أن نحسّنه في اسرع وقت.
وقد تكون عبارته "ان العمل الفني الحقيقي يتمحور حول تطوير الضمير الانساني" أفضل ما يمكن أن ننهي به هذه اللمحة عن هذا الفنان الحالم، الانساني والمثالي والواقعي، مع صفات أخرى له، اجتمعت كلها في فنان واحد.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard