"حزب الله" يحاول سرقة صك براءة من المتظاهرين...

24 تشرين الأول 2019 | 02:30

  • م. ف.

حين خرج المتظاهرون في وسط بيروت ليل الخميس الماضي بالعشرات، كانت الشرارة الأولى لهذه الانتفاضة. راهنت السلطة على أيام يتعب فيها الحراك كي يكون يوم الفصل هو الإثنين. وكان اليوم الرابع هو المحكّ، إذ بقي الشارع ينبض بناسه.

عبّرت الخطابات العفوية عن مزاج الشارع الفعلي، حتى يوم الأحد كان حاشدا رغم سيل الشتائم التي نزلت على السياسيين. هتافات الناس كانت شاملة، وكان الأبرز بينها الرد على كلام الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله: "كلّن يعني كلن... نصرالله واحد منن". تناغمت صورة الحراك مع بقية المنطقة، في إطار الشعار المقبول شعبياً المرفوض حزبيا، باعتبار أنه "كاد المريب أن يقول خذوني". راهن نصرالله على قدرة الناس على التحمل في الشارع وظن أن الأمر لن يبقى طويلاً، وسينتهي في غضون 72 ساعة، وهي المهلة نفسها التي طلبها رئيس الحكومة سعد الحريري لتقديم ورقة الاصلاحات.

بقي الحراك في الشارع، ودخل يومه السابع وبقي الاصرار هو نفسه والعزيمة واضحة، لكن يوم الإثنين كان مختلفاً عما سبق. درسوا الأرض علّهم يزرعون فيها استثمارا مع تقاطع المصالح بين الحراك والحزب.

صباح الاثنين، على مقربة من ساحة رياض الصلح، لبست سيارة "رابيد" صفراء ثبتت عليها مكبرات صوت كبيرة وقديمة، زيّ الحراك المدني عبر الأناشيد الثورية والهتافات.

كان شبابها الذين عرفوا عن أنفسهم بأنهم "تجمع شباب العهد"، متجاوبين جداً مع تمنيات المنظمين بعدم إطلاق الكلمات البذيئة. وعند وصول "الرابيد" إلى ساحة الاعتصام أحرق مرافقوها علمين، أحدهما أميركي والآخر إسرائيلي، بذريعة أن الحراك متهم بالخيانة.

بعد الظهر، دخلت الساحة مجموعة تحمل لافتات تشيد بالامين العام لـ"حزب الله". وأمام هؤلاء الأشخاص كان شاب ملتح يضع نظارات سوداء ويدخن "نرجيلة معسل" وسط الساحة ليحمي هؤلاء الذين لم يكترث لهم أحد من المتظاهرين، بل صورتهم بعض العدسات الاعلامية وغيرها.

وفي نقطة تقاطع رياض الصلح - ساحة الشهداء، سيارة كبيرة وشاب يلبس كفناً أبيض كالذي لبسه السائرون في مسيرة الدفاع عن العتبات المقدسة في العراق في أيار 2004. وراح يسأل المتظاهرين إذا كانوا يحترمون "رجال الدين"، ويقول "نحن منحب رجال الدين".

وإذا ما دخلت ساحة رياض الصلح باكراً تفاجأ بمراسل قناة محلية يجمع عدداً من الأشخاص ويستمزج مواقفهم ويعطيهم الأفكار كي يقولونها أمام العدسة. كلام في مجمله عن المعاناة والتأكيد أنهم من "جمهور المقاومة".

وجود "المنار" وهؤلاء الأشخاص كانت دعوة للمناصرين كي ينزلوا ويرددوا الكلام نفسه أمام العدسات العالمية والمحلية للايحاء أن الحراك الحالي الذي رفع عنه امينهم العام أي شبهة أو خيانة يحيّد "حزب الله" ومنظومته السياسية عن الفساد. إنه بمثابة صك براءة مزور من شهود زور تسللوا إلى ساحة الاعتصام كي يدلوا بشهادتهم أمام محكمة الشعب.

أول من أمس الثلثاء، مشهد آخر. أخبار عن اعتصام دائم أمام مصرف لبنان، وآخر عن انتقال الاعتصام من ساحة رياض الصلح إلى مصرف لبنان، ودعوات غير مذيلة باسم أحد.

عند منتصف الليل أنهى المحتجون اعتصامهم أمام المصرف وهتفوا ضد الحاكم بما يذكّر بمخيم ما سميّ "اعتصام المعارضة" في الوسط التجاري في الأوّل من كانون الأوّل 2006 للمطالبة بإسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وتحقيق المشاركة. بدّل الشباب هتافاتهم واستبدلوا الأسماء من السنيورة الى الحاكم رياض سلام. وعلى مقربة من محلة سبيرز يتناهى إلى السمع هتاف "يا رياض يا جبان... يا عميل للأميركان"... ولم نعرف ما علاقة حزب القوات اللبنانية بالمصرف كي يهتف المتظاهرون "صهيوني صهيوني سمير جعجع صهيوني"، ولكن حين هتف أحدهم "كلن يعني كلن" كاد التضارب بالأيدي أن يقع.

يبدو أن المجتمع الخفي لـ"حزب الله" بات أكثر فاعلية على الأرض كي يخرق الحراك، بدلا من استقصاء الأخبار والصور وجمع التقارير عبر مخبريه. كان للحزب استثمارات جمة في التظاهرات وجد فيها التبرير المناسب للتخلص من ترشيح الوزير جبران باسيل للرئاسة، ثم إن الشبان الذين تردد أنهم من أنصار الحزب، والذين مزقوا صور الرئيس نبيه بري في مدينة صور، إضافة إلى التصويب على بري بالإسم، كان لهم أثر على القطب الشيعي وجعله يحلم ببسط أحاديته على الساحة، فذهب به إلى التصويب على حاكم المصرف كي يتخلص من العقوبات المالية الضاغطة. يعتقد أنه تخلص من نفوذ الرئيس بري، واليوم يتخلص من العقوبات المالية.

يضع "حزب الله" حساباته السياسية على مرأى من الحاضرين في الساحتين، ظناً أن خيمته "الشرعية" الخالية من المحرمات والأغاني في ساحة رياض الصلح بعيدة عن أنظار المتظاهرين، وأنه بمكبرات الصوت ومناصريه المتنطحين على عدسات الكاميرات يضبط إيقاع الهتاف والمزاج وينال صك البراءة من الحراك، لكنه لا يعلم ان الساحة لا تقتصر على رياض الصلح وساحة الشهداء، ففي الأشرفية وجل الديب والشوف وطرابلس والنبطية وصور ومدن أخرى هناك قلب نابض يخفق كل ثانية قائلاً "كلن يعني كلن". 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard