تشويه الانتفاضة لن يُعيد هيبة السلطة!

23 تشرين الأول 2019 | 00:10

الانتفاضة مستمرة.

ليست مصادفة أن يتّحد اللبنانيون احتجاجاً على الضرائب في الشكل ودفاعاً عن كرامتهم في العمق، بعدما أُغرقوا بالوعود الطنانة، بعد أطول فراغ حكومي يشهده لبنان، أعقب فراغاً رئاسياً قياسياً ايضاً.

في أقل من سنة، نجحت حكومة "الى العمل" التي خرجت الى النور بعد مخاض عسير، في التسبب باقفال عدد قياسي من المؤسسات وإفلاس أخرى وزيادة البطالة إلى معدلات قياسية وابقاء آلاف التلامذة خارج مقاعد الدراسة. ولعل آخر انجازاتها اعادة سعر صرف الليرة الى التداول، وهو ما يهدد لقمة عيش القسم الأكبر من اللبنانيين.

لم يكن قصير النظر فحسب، القرار المفترض بزيادة الضرائب، لكنه أيضاً ضرب من الغباوة السياسيّة، لأنه لم يقس نبض شعب وصل أنينه أخيراً إلى السماء، ولم يعانِ ضيقاً اقتصادياً كهذا في ذروة الحرب الأهلية.

لم تكن الرهانات كبيرة على حكومة فيها الكثير من التباينات التي تصل إلى حد التناقضات، ومع ذلك لم يكن أحد يتصور أن يبلغ بها الفشل هذا الدرك، وقت تقف البلاد على حافة الإفلاس. منذ ولادتها بدا كل فريق فيها يغرد خارج سربه، ساعياً الى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكتسبات لمعسكره وأتباعه. ولم يكن ينقص هذا الوضع إلا إعادة بعض الوجوه المستفزة احياء الخطاب الطائفي الذي أعاد الى الاذهان أجواء الحرب الاهلية، ومحاولة فريق آخر اقحام لبنان في الأزمة بين إيران وأميركا وتحويله جبهة في حرب إقليمية مدمرة.

في أجواء اقتصادية وسياسية مفلسة كهذه، لم يكن مفاجئاً انفجار الشارع في وجوه الجميع وانعتاق اللبنانيين من الأسر الطائفي والحزبي الذي قيد حراكهم منذ انتهاء الحرب. وإذا كانت مفاجاة التحرك الكبير هي المشاركة الواسعة للشباب، فلأن هؤلاء يشهدون على معاناة استثنائية لكبارهم ولا يقبلون لأنفسهم مستقبلاً مشابهاً.

لن يستسلم المنتفعون من السلطة أمام الهدير الشعبي بسهولة، ولن يتخلوا بسهولة عن مناصب لن يعودوا اليها على الأرجح إذا أجبروا على الرحيل. وهم حتى الآن يناورون حيناً بورقة اصلاحية يعرف الجميع أنها لن تطبق، وبوعود براقة أخرى سمع اللبنانيون مثلها آلآف المرات. أما سلاحهم الأكثر خبثاً فهو محاولة تشويه الانتفاضة. في البدء اقحموا تلك الاشكال الغريبة في ساحات الاعتصام للتخريب والتعدي على الممتلكات، وجاءت المحاولة الاخطر ليل الإثنين، عندما حاول شبان بالأعلام الحزبية اختراق ساحات المتظاهرين وسط بيروت فتصدى لهم الجيش.

ومنذ اللحظة الأولى للانتفاضة، يتحرك جيش الكتروني محاولاً تجريد الحراك من طابعه الوطني، وتصويره كرنفالاً للرقص والتسلية.

لكن شعباً حول الملاجئ التي اختبأ فيها أيام الحرب ملاهي ليلية للرقص، لن يتوانى هذه المرة عن تحويل أغنية "بيبي شارك" نشيداً لثورته، كما قال الروائي ربيع علم الدين... إنها الانتفاضة على الطريقة اللبنانية.

monalisa.freiha@annahar.com.lb

Twitter: @monalisaf

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard