شاشة - "شوارع الذلّ": دعارة وتسوّل وتجارة أولاد وبالكاد نتعاطف !

4 شباط 2014 | 00:00

تعرُض LBCI "شوارع الذل" عن بعض سمات مجتمعنا: بؤس واستغلال وتجارة الضمير والجسد. أسقط المسلسل موضوعات كبرى على نصّ هشّ. شيئاً فشيئاً رحنا نعتاده من دون الشعور بمسؤولية أخلاقية تجاه شخصياته الموجوعة.

يُفترض بعمل يُحاكي شيئاً من آلام المرء ألا يأتينا زاحفاً. يبدو المسلسل (كتابة لورا خباز وفيفيان أنطونيوس، واخراج ايلي معلوف وانتاجه) كمن يتوسّل أن ان تُصدَّق تطوّراته. تعمّده تضخيم المصاب ليدخل بيوت الناس، صوّرهم في منأى عنه، وكأنه، لو يُعرض على طبيعته، لما لاقى صدى.
الشخصيات جميعها "متطرّفة"، وصبي يحاول الانتحار لأن والده منعه من رؤية خاله. راح التضخيم يضرب طوقاً حول شخصية المعلم، مانعاً المُشاهد من الاقتراب. ليس جديداً على خالد السيد دورٌ يُكتَب ليستفزّ. ان يكون موغلاً في البشاعة، بمثابة استكمال لخطّ بدأه. أصبحنا نشكّ في كون النيات ترسو على "معالجة" آفة بقدر الحرص على تجميع الشر وصبّه. يشبه الأمر مسألة "الكوبي باست" أي النسخ واللصق. فالمعلم يتاجر بالأولاد، يرغمهم على التسوّل، يسيء معاملتهم ويغتصب قاصراً، وأيضاً: يشغّل شقيقته في الدعارة ويكبّل الأخرى بسلاسل ويزّجها في قبو. كأن المطلوب ان تُكرَه الشخصية وتُرمى بالسخط، ولا شيء غير ذلك. خلف اللؤم ثمة قصص قد "تُبرر" بعض قبحنا. تمرّ الحلقات وشخصية المعلم لا تنمّ عن ماضٍ شَكّلها. ننتظر لئلا نتسرّع بالظنّ ان أحدهم قرر بنفسه ان يكون قذراً.
تُبكينا، فيما نحن جرحٌ، رؤية انسان يُظلم، وإن عَرَضاً ضمن نشرة أخبار. ليت العمل يُخفف عنا ثقلاً، ليس لميلٍ الى البسيط في الطرح أو المألوف في الصور، بل لأنّ ثقله جاء مدروساً ضمن خطة لارهاق المُشاهد من دون تعبئته بالتزامات تجاه المُكوّن الاجتماعي. لا يكتفي العمل بتضخيم وضعية بطله، فالكلّ معرّض ليكون خصماً للمنطق: الضابط جواد يعاني خللاً في الكلى، صهره سعد طافح بالكراهية، تمار الثرية تجد انسانيتها في الشارع، ياسمين التي تزوّجت أملاً بحياة عادلة عادت تبيع جسدها كخيار لرفض الخضوع. حالات عدة، ومصير واحد، فكما ياسمين، تقع سوسن في غرام "زبون" متزوّج أحبها وظلّت في نظره حقيرة. لكنّ الدور جُرّ نحو تطورات سطحية تُخرّب احتمال أي لذة.
تحضر القضية جنباً الى جنب مقابل صياغة ضعيفة. العمل بعموميته أقوى منه بتفاصيله، وإنما ما الحال والمُشاهَدة تفاصيل لا عناوين؟ وإن قوّمنا أداء بعضهم وجدناه مصطنعاً، واننا لا شكّ لمحنا مَشاهد أُعدَّت لتكون حشواً. "دجاجة الأرض"، شخصية تتشبّه بالدور والدور يتشبّه بها، بعض أدائها أكثر تصالحاً مع المُشاهد. لعلنا أمام مسلسل ينبغي ان ننتظر مزيداً من حلقاته ليُتاح للشخصيات استيعاب واقعها. يجري ان بعض حوادثه كالضدّ الذي يُقلَب على ضدّه، فلئلا يشارف دور سوسن على استهلاك نفسه، اختُرع له مَخرج: يُفاجَأ بها عشيقها في منزل زوجته، ولاحقاً ينهال عليها ضرباً، فيما هي كاللوح الجامد تتسمّر في مكانها. وهذه "فستيكة" الصغيرة، وباقي الأولاد، افتقدوا العفوية لتعالي الحوار على واقعهم، أما "تايغر"، فيختاره شابان لأغراض جنسية مقابل المال، برغم مظهره الرثّ. تمهّل، كدنا ننسى بكائيات والدة تمار المُفتَعلة لانتقال ابنتها للعيش مع الفقراء!
يحاول العمل الظهور، ولا ضير من المحاولة، شريطة ألا تكون كمحاولات سوسن المُتكررة للقضاء على أخيها بدسّ السمّ في طعامه، ثم تتراجع!

fatima.abdallah@annahar.com.lb
Twitter: @abdallah_fatima

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard