اشتباكات متقطعة تخرق وقف النار في شمال سوريا

19 تشرين الأول 2019 | 06:45

مقاتلون من المعارضة السورية التي تدعمها أنقرة في قرية قلعة أقجة التركية في طريقهم إلى الأراضي السورية أمس. (أ ف ب)

بعد ساعات من إعلان واشنطن اتفاقاً لوقف النار، شنّ الطيران التركي غارة جوية أسفرت عن مقتل مدنيين في مناطق سيطرة الأكراد بشمال شرق سوريا، مع استمرار الاشتباكات المتقطعة في بلدية رأس العين الحدودية، كما أفاد "المرصد السوري لحقوق الإنسان".

وبموجب اتفاق انتزعه نائب الرئيس الأميركي مايك بنس في أنقرة، وافقت تركيا الخميس على تعليق هجومها في شمال شرق سوريا 120 ساعة (خمسة أيام) مشترطة انسحاب "وحدات حماية الشعب" الكردية من المنطقة الحدودية خلال هذه الفترة.

وخلال تسعة أيام من الهجوم، تمكنت تركيا والفصائل السورية الموالية لها من السيطرة على منطقة واسعة بطول 120 كيلومتراً تمتد بين أطراف مدينة رأس العين (شمال الحسكة) ومدينة تل أبيض (شمال الرقة)، وقد بلغ عمقها في بعض المناطق أكثر من 30 كيلومتراً. وتوقع محللون أن تكتفي تركيا في مرحلة أولى بهذه المنطقة.

وتركزت المعارك خلال الأيام الأخيرة في مدينة رأس العين التي تخوض فيها "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد)، وعمودها الفقري المقاتلون الأكراد، مقاومة شرسة. وتحدث المرصد السوري عن "اشتباكات متقطعة وإطلاق قذائف مدفعية"، في المدينة التي تسيطر القوات التركية والفصائل الموالية لها على نحو نصف مساحتها.

واتهمت "قسد" تركيا بخرق اتفاق وقف النار. وقال المسؤول الإعلامي مصطفى بالي :"على رغم اتفاق وقف القتال، يواصل القصف الجوي والمدفعي استهدافه مواقع المقاتلين والمدنيين والمستشفى في رأس العين".

وشاهدت مراسلة لـ"وكالة الصحافة الفرنسية" على الجانب التركي من الحدود سحب دخان تتصاعد من رأس العين، كما قالت إنها سمعت دوي قصف مدفعي.

وأحصى المرصد السوري "مقتل خمسة مدنيين وأربعة مقاتلين من قوات سوريا الديموقراطية في غارة تركية استهدفت قرية" على مسافة نحو عشرة كيلومترات شرق رأس العين.

وكانت الإدارة الذاتية الكردية طالبت الخميس بفتح ممر إنساني لإجلاء المدنيين والجرحى المحاصرين، وأرسلت الجمعة قافلة إلى المدينة التي تصر على التمسك بها.

وقال مدير مستشفى تل تمر جنوب رأس العين حسن أمين :"تم ارسال فريق طبي لإخراج الجرحى من مدينة رأس العين"، مشيراً إلى أن "وضعهم خطير والعدد كبير".

وأعلن مراسل في مدينة تل تمر عن انطلاق قافلة من 200 سيارة في اتجاه المدينة.

وبدأ الهجوم التركي في التاسع من الشهر الجاري، بعد يومين من انسحاب قوات أميركية محدودة من نقاط حدودية.

وعلى رغم اتهام "قسد"، التي ألحقت الهزيمة بتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) بدعم أميركي، واشنطن بـ"طعنها" في الظهر، بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب مصراً على قراره. وأمر في وقت لاحق بسحب كامل القوات الأميركية، ويقدر عديدها بألف رجل، من مناطق سيطرة الأكراد.

وأمام اتهامات له بالتخلي عن الأكراد، هدد ترامب تركيا بفرض عقوبات شديدة عليها، ثم أوفد نائبه مايك بنس إلى أنقرة، شريكته في حلف شمال الأطلسي، للبحث في اتفاق لوقف النار.

وبعد محادثات مع الرئيس رجب طيب اردوغان، أعلن بنس مساء الخميس أنه "خلال 120 ساعة، ستعلّق كل العمليات العسكرية... على ان تتوقف العملية نهائياً ما ان ينجز هذا الانسحاب"، في إشارة إلى "وحدات حماية الشعب" الكردية.

وينص الاتفاق على انسحاب القوات الكردية من منطقة بعمق 32 كيلومتراً، من غير أن يحدد طولها.

وفي وقت سابق، كان اردوغان قال إنه يريد السيطرة على منطقة تمتد بطول 480 كيلومتراً من الحدود العراقية إلى نهر الفرات، أي كامل المنطقة الحدودية الخاضعة لسيطرة المقاتلين الأكراد.

وتسعى تركيا من خلال هجومها إلى إقامة منطقة عازلة تعيد إليها مليونين من 3,6 ملايين لاجئ سوري لديها.

وأبدت "قسد" من جهتها استعدادها لالتزام وقف النار، من غير أن تتطرق إلى بند انسحاب الوحدات الكردية.

وفي أيلول، أعلن المقاتلون الأكراد انسحابهم من بعض النقاط الحدودية قرب تل أبيض ورأس العين تنفيذاً لاتفاق أميركي - تركي كان هدفه الحؤول دون هجوم أنقرة على المنطقة.

إلا أن تركيا لم تأبه لذلك واتهمت واشنطن بالمماطلة، لينتهي الأمر بشنها الهجوم، الذي دفع 300 ألف شخص إلى النزوح عن مناطقهم.

وأشاد ترامب باتفاق وقف النار، وقال إنه "يوم عظيم للحضارة".

وبموجب الاتفاق، وبمجرد وقف الهجوم، تلغي واشنطن العقوبات التي كانت قررت فرضها على تركيا.

وأسفر الهجوم التركي، استناداً إلى المرصد السوري، عن مقتل 72 مدنياً و231 مقاتلاً من "قسد".

وفي الجانب التركي، اعترفت السلطات بمقتل ستة جنود أتراك و20 مدنياً بقذائف اتهمت المقاتلين الأكراد بإطلاقها.

واتهمت "منظمة العفو الدولية" الخميس تركيا والفصائل الموالية لها بارتكاب "جرائم حرب" خلال الهجوم، مشيرة إلى "عمليات قتل بإجراءات موجزة وهجمات أسفرت عن مقتل وإصابة مدنيين".

وجدّد زعماء دول الاتحاد الأوروبي الجمعة مطالبتهم تركيا بإنهاء هجومها وسحب قواتها من مناطق سيطرة الأكراد.

وكانت دول أوروبية عدة أبدت قلقها البالغ من تداعيات الهجوم على المعركة ضد "داعش"، الذي لا يزال ينشط في خلايا نائمة على رغم هزيمته الميدانية على يد "قسد".

أما الأكراد فلم يجدوا أمام تخلي واشنطن عنهم سوى اللجوء إلى دمشق. وفي رعاية موسكو، تم التوصل الأحد إلى اتفاق مع الحكومة السورية ينص على انتشار الجيش على طول الحدود مع تركيا لمؤازرة "قسد" في تصديها لهجوم أنقرة.

وخلال اليومين الأخيرين، انتشرت وحدات من الجيش السوري في مناطق حدودية عدّة، أبرزها مدينتا منبج وكوباني في محافظة حلب شمالاً.

ولا تزال بنود الاتفاق غير واضحة مع إصرار الأكراد على أنه "عسكري" فقط، ولا يؤثر على عمل مؤسسات الإدارة الذاتية التي بنوها بعد سيطرتهم على مناطق واسعة في شمال البلاد وشمال شرقها إثر عقود من التهميش على أيدي الحكومات السورية المتعاقبة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard