"نبع السلام" التركي يخلط أوراق الحرب السورية

10 تشرين الأول 2019 | 00:06

دخان متصاعد نتيجة القصف التركي لبلدة راس العين على الحدود السورية-التركية أمس.(أ ف ب)

في ظل لامبالاة أميركية، بدأت تركيا أمس عملية عسكرية واسعة في شمال شرق سوريا تحت الاسم الرمزي "نبع السلام". والهدف المعلن للعملية هو اقامة "منطقة آمنة" بعمق يصل إلى 40 كيلومتراً وبعرض يمتد 450 كيلومتراً على طول الحدود السورية - التركية، وإبعاد مقاتلي "وحدات حماية الشعب" الكردية التي تعتبرها أنقرة تنظيماً إرهابياً عن هذه المنطقة، وإسكان أكثر من مليوني لاجئ سوري يقيمون الآن في الاراضي التركية، فيها.

لكن العملية التي تلقى معارضة غربية وروسية وايرانية، تبعث مخاوف من احتمال أن تسفر عن إعادة ظهور تنظيم "الدولة الاسلامية" (داعش) الذي اضطلع الاكراد بدور رئيسي على الارض في هزيمة التنظيم الجهادي في سوريا. وإلى المخاوف، يسود قلق اقليمي ودولي من موجة "تطهير عرقي" تتناول السكان الاكراد في شرق الفرات على غرار ما حصل في عفرين بريف حلب بعد الدخول العسكري التركي العام الماضي في إطار عملية "غصن الزيتون"، وقبل ذلك لدى اجتياح الجيش التركي مدينة الباب في إطار عملية عام 2016.

ومن شأن العملية التركية، مع وضع انقرة يدها على نحو ثلث مساحة سوريا، أن تعيد خلط الأوراق في الحرب السورية المستمرة منذ 2011. وبدا واضحاً أن إدارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب، وإن كانت لا تؤيد الهجوم التركي، لا تعارضه. أما دول الاتحاد الأوروربي، فهي ضد العملية، لكنها غير قادرة على منعها. في حين أن روسيا وايران، شريكتي تركيا في عملية أستانا، في موقف حرج، ومع أنهما قد حذرتا من مغبة العملية التركية على وحدة الاراضي السورية، فإن أنقرة باتت بعد دخولها المزمع الى شرق الفرات، تملك من أوراق القوة على الساحة السورية، ما يوازي تلك التي تملكها موسكو وطهران.

والخاسر الأكبر في العملية هم أكراد سوريا، الذين خذلتهم واشنطن، فهم يجدون أنفسهم وحيدين في مواجهة الهجوم التركي، بينما علاقتهم سيئة مع النظام السوري.

العملية بدأت

وفي التفاصيل، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عبر "تويتر" أن "القوات المسلحة التركية والجيش الوطني السوري باشرا عملية نبع السلام في شمال سوريا".

وأوضح مسؤول أمني تركي أن "العملية التركية في سوريا بدأت بغارات جوية وستدعمها نيران المدفعية".

وأصدرت وزارة الدفاع التركية بياناً جاء فيه أن عملية "نبع السلام" انطلقت في الساعة الرابعة مساءً (13:00 بتوقيت غرينيتش)، من أجل "ضمان أمن حدودنا ومنع إنشاء ممر إرهابي جنوبها، ولتحييد الإرهابيين الذين يهددون أمننا القومي، وتوفير الظروف اللازمة لعودة السوريين المهجرين إلى ديارهم".

وأحصت "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) التي تشكل "وحدات حماية الشعب" الكردية عصبها الرئيسي، مقتل شخصين جراء القصف التركي، وقالت إن المقاتلات التركية تشن غارات جوية وسط حالة من الذعر الكبير بين الناس، وقد "قصفت الطائرات التركية مواقع في عين عيسى على عمق 50 كيلومتراً داخل سوريا".

وأفادت الوكالة العربية السورية للأنباء "سانا" أن طيران "العدوان التركي" استهدف "مواقع ميليشيا قسد في قريتي الأسدية وبير نوح شرق رأس العين"، قبل أن يمتد إلى "بلدة عين عيسى بريف الرقة الشمالي"، كما استهدف القصف المدفعي التركي قوات "قسد" في ريف القامشلي الشرقي.

وأضافت أن العملية التركية شملت مناطق تل جهان وقرية زورافة بالقحطانية وسد المنصورة وقرية الاسماعيلية وقرية خراب رشك بالمالكية.

وشاهد مراسل "وكالة الصحافة الفرنسية" في رأس العين، إثر بدء القصف، سحباً من الدخان وعشرات المدنيين من رجال ونساء وأطفال لدى فرارهم في سيارات وشاحنات صغيرة أو سيراً مع أطفالهم وأمتعتهم.

وفي وقت سابق، قال أردوغان خلال اتصال هاتفي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إن العملية العسكرية في مناطق شرق الفرات السورية، ستساهم في إحلال السلام والاستقرار في هذا البلد.

ونقل بيان للرئاسة التركية، عن أردوغان تأكيده أن العملية التركية "ستمهد طريق الحل السياسي في سوريا"، وأن "حماية حقوق ومصالح الشعب السوري هي عنصر رئيسي بالنسبة الى تركيا"، مشيراً الى أن أنقرة تقدّر "الدور الروسي البناء" في هذه المرحلة.

وأفاد الكرملين من جهته أن بوتين دعا إردوغان إلى "التفكير ملياً" قبل شن الهجوم.

ترامب: فكرة سيئة

وفي واشنطن، شدد ترامب على أن بلاده لا تدعم العملية التركية في شمال شرق سوريا، واصفاً اياها بأنها "فكرة سيئة"، وحمل تركيا المسؤولية عن أفراد "داعش" المحتجزين في المنطقة.

وقال في بيان : "توغلت تركيا، التي تمثل عضواً في حلف شمال الاطلسي، صباح اليوم (أمس) في سوريا. الولايات المتحدة لا تدعم هذا الهجوم وأكدت بوضوح أن هذه العملية فكرة سيئة".

وأضاف : "باتت تركيا الآن تتحمل المسؤولية عن ضمان بقاء كل مسلحي داعش الأسرى في السجون وعدم بعث التنظيم بأي شكل من الأشكال".

وكشف أن "تركيا التزمت حماية المدنيين والأقليات الدينية، بمن فيها المسيحيون، وكذلك ضمان عدم نشوب أي أزمة إنسانية، وسنلزمها التمسك بهذا التعهد. نتوقع من تركيا التمسك بكل التزاماتها وسنواصل متابعة الوضع عن كثب".

وأكد ترامب مع ذلك أن الولايات المتحدة سحبت كل قواتها التي كانت منتشرة في منطقة العملية العسكرية التركية لضمان أمن العسكريين الأميركيين.

وحذّر السناتور الجمهوري ليندسي غراهام من أن الكونغرس سيجعل اردوغان "يدفع غالياً جداً" ثمن هجومه على القوات الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة في شمال سوريا. وكتب السناتور المعروف بدعمه لترامب: "لنصلّ من أجل حلفائنا الاكراد الذين تم تخلّت عنهم ادارة ترامب بشكل معيب".

وقال: "هذه الخطوة ستضمن عودة ظهور تنظيم الدولة الإسلامية... سأتولى قيادة الجهود في الكونغرس لجعل اردوغان يدفع الثمن غاليا جدا".

وقال السناتور الديموقراطي كريس فان هولن، إن مشرعين من كلا الحزبين في الكونغرس يعملان على مشروع قانون يفرض عقوبات على تركيا.

وقف العمليات ضد "داعش"

وبعد ساعات من بدء العملية العسكرية التركية، قال مسؤولان أميركيان ومصدر عسكري كردي، إن مقاتلين أكراداً تدعمهم واشنطن أوقفوا عملياتهم ضد "داعش" في سوريا.

وقال مصدر عسكري كردي إن "قوات سوريا الديموقراطية (التي يقودها أكراد) أوقفت العمليات ضد داعش، لأنه يستحيل تنفيذ أي عملية في الوقت الذي تتعرض للتهديد قبل جيش كبير على الحدود الشمالية".

وتحدث أحد المسؤولين الأميركيين، طالباً عدم ذكر اسمه، عن تأثير تعليق العمليات أيضاً على التدريب الأميركي الخاص بقوات معنية بحفظ الاستقرار في سوريا.

ولم يتضح ما إذا كان التعليق قد أثر على كل العمليات التي تشارك فيها واشنطن ضد التنظيم أم إن هناك استثناءات.

وأصدرت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وعددها 28 دولة، بياناً مشتركاً قالت فيه: "الاتحاد الأوروبي يدعو تركيا لوقف العملية العسكرية التي تنفذها من جانب واحد... ما يسمى المنطقة الآمنة في شمال شرق سوريا لن يفي على الأرجح بالمعايير الدولية لعودة اللاجئين". وأضافت: "الاتحاد الأوروبي لن يمنح مساعدات لإقامة أو تنمية المناطق التي يتم فيها تجاهل حقوق السكان المحليين".

وأعلن ديبلوماسيون أن مجلس الأمن سيعقد جلسة مغلقة حول سوريا اليوم. وذلك بناء على طلب الدول الأوروبية الخمس الأعضاء، بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وبولونيا.

وطالب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس شتولتنبرغ تركيا بـ"ممارسة ضبط النفس"، مشدداً على وجوب "ألا نعرّض المكاسب التي حققناها في القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية للخطر".

مصر والسعودية والامارات تندد

وقالت وزارة الخارجية المصرية، إن مصر دعت إلى عقد اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية في شأن الهجوم التركي على سوريا.

وأضافت في بيان إن "مصر تدين بأشد العبارات العدوان التركي على الأراضي السورية"، والذي العملية "يمثّل اعتداءً صارخاً غير مقبول على سيادة دولة عربية شقيقة". وحذرت "من تبعات الخطوة التركية على وحدة سوريا وسلامتها الإقليمية".

ونددت المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة والرئيس العراقي برهم صالح بـ"العدوان" التركي على شرق الفرات.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard