سينما - رحلة إلى درفنغراد جنّة البروفسور كوستوريتسا

28 كانون الثاني 2014 | 00:00

الساعة تشير الى العاشرة ليلاً في شيشاتوفاتز. تشارك سنيجانا مع بعض موظفي الفندق الذي تديره حلويات العيد. كلّ سنة، في العشرين من كانون الثاني، تحتفي السيدة الخمسينية بالقديس يوفان (يوحنّا). يسمونه "سليڤا": كلّ عائلة في صربيا لديها شفيع. هذه من التقاليد الارثوذكسية في البلاد. الفندق الواقع في اعلى قمة من منطقة موكرا غورا، على بُعد خمس ساعات جنوب غرب بلغراد، ينتظر الثلوج ليطمر الكآبة بالصقيع. في غياب النعمة السموية، يبدو الفصل أشبه بالخريف: أوراق شجر مصفرة، طبيعة ميتة، لا مظاهر حياة في محطة التزلج هذه.

على الرغم من ان الفندق اطلق عليه "الحبل السحري"، نسبة الى رواية توماس مان، فالجالس أمام حاسوبه في هذه العزلة القاتلة، سيصاب عاجلاً أم آجلاً بما أصاب جاك نيكلسون في فيلم "اللمعان" لكوبريك: البارانويا. احساس تؤكده سنيجانا التي لم ترد مشاهدة الفيلم مجدداً منذ تسلمها وظيفتها هنا. "لا أريد ان ارى في منامي رأس جاك مطموراً في الثلج"، تقول الستّ الرائعة التي لفّت العالم قبل أن تستقر في بلادها للمشاركة في نهضتها.
على مسافة 9 كلم نزولاً من شيشاتوفاتز، قرية على شكل اعجوبة، مساحتها نحو 5 آلاف هكتار. درڤنغراد، "مدينة الخشب" بالصربية، هي القرية الحضارية التي جعلها أمير كوستوريتسا، الملقب بـ"كوستا"، حقيقة لا تكاد تصدَّق. تعرّف إلى هذه البقعة الجغرافية يوم جاء اليها ليصوّر "الحياة معجزة" (2004)، فاشترى أرضاً وبنى عليها مدينة تتصدى للعولمة. وسط البريّة المتوحشة غير البعيدة من الحدود مع البوسنة والهرسك، شيّد الفنان الصربي الحائز "سعفتين" في كانّ، حصناً منيعاً أمام المجتمع الاستهلاكي وكلّ مساوئ الحياة العصرية. مدينة على شاكلة مخيلته الخصبة، تنبذ الدعايات والتجارة وأفلام هوليوود الحقيرة. هنا، في منطقة لم يهدأ لها بال منذ زمن طويل، وجد جنته التي كانت سُلبت منه بعد انهيار يوغوسلافيا. كلّ جيل كان له قسطه من المعاناة. هو قرر السلام. بدلاً من أن يتكيف مع العالم ومتغيراته، فرض على العالم أن يتكيف معه وينحني لانجاز لم يسبقه اليه فنان آخر.
في أواسط الشهر الأول من كلّ عام، ومنذ سبع سنوات على التوالي، ينظّم كوستوريتسا مهرجاناً صغيراً للسينما والموسيقى يحمل سمات شقائه، نصحه بيتر هاندكه بأن يسميه كوستندورف، تيمناً باسمه. حضنٌ بريّ في مكان منسيّ يجمع فيه مَن يحبهم ويؤمن بطاقاتهم. صاحب "اندرغراوند" لا يدّعي الموضوعية في اختيار ضيوفه. فاللائحة تقتصر على مَن يميل اليهم فكرياً وعقائدياً وهؤلاء غالباً من أصدقائه: كيم كي دوك، نيكيتّا ميخالكوف، نوري بيلغي جيلان، ايزابيل أوبير، جوني ديب، عباس كيارستمي، ابيل فيرّارا، مونيكا بيللوتشي، جيم جارموش. اياك أن تخطئ مثلاً أمامه في حقّ جارموش. فالرجل وفيّ لأحبابه، وجارموش في تقديره رمز لسينما مستقلة يدافع عنها "كوستا" بشراسة، وإن لم يستطع اعطاءه "السعفة" عن فيلمه "أزهار مكسرة" عندما ترأس لجنة تحكيم مهرجان كانّ عام 2005.
قبل موعد انطلاق المهرجان بثلاث ساعات، حفنة مصورين تنتظر وصول الفرنسيّة بيرينيس بيجو، المكللة حديثاً من كانّ بجائزة أفضل ممثلة. أصغر فرهادي الذي ادارها في فيلمه "الماضي" هو أيضاً في الحفل الذي سيبدأ هذا المساء في درڤنغراد. بمظهره الأريستوقراطي، مسنداً ذقنه الى يده، يقف المخرج الايراني الى جانب البروفسور كوستوريتسا في انتظار بيجو. جمال المكان يقطع النفس: هضبة مطلة على وادٍ ببيوت خشب من القرن التاسع عشر تبدو ميكروسكوبية من هذا الموقع. هذه البقعة هي الحيّز الخاص بـ"كوستا"، تدخلها بعد أن تفك الحبل البسيط أمام باب المدخل. فيها بيته الجميل ومكتبة تضم ألوف الكتب، من دوستويفكسي الى دان براون. هناك أيضاً مهبط للهليكوبتر، هو "السجادة الحمراء" للمهرجان، ومدخل الضيوف الكبار الى القرية. بالهليوكوبتر يأتون من بلغراد. عوض تمضية خمس ساعات بالسيارة، تجلبهم الطوافة بخمسين دقيقة مجتازة بهم الوديان والجبال والغابات. عليهم التحلي بقلب شجاع، وهذا ما لم يمتلكه جارموش يوم حملته الهليكوبتر من بلغراد الى درڤنغراد، إذ أعلن انه لم يخف في حياته كما خاف خلال الدقائق الخمسين التي استغرقها المشوار. "كوستا" هو الذي كان يقود الطوافة. مَن يرى أفلام هذا المجنون، من "زمن الغجر" الى "قطّ أسود قطّ أبيض"، لا بدّ أن يتردد في أن يسلمه حياته. ليس هذا رأي احدى الصربيات التي تقول: "نعم، هو مجنونٌ ولهذا السبب نحبه".
يدخل "كوستا" الى بيته الخشب الأنيق ويخرج منه وعلى كتفيه معطف من الكشمير الاسود، قبل أن يمازح المصورين: "هيّا، صوّروني بلباسي الجديد". مع اقتراب الهليكوبتر من المهبط، يزداد المشهد سوريالية وكأننا في "القيامة الآن". يقترب "كوستا" من بيجو ويتحلق حولهما المصورون. شاب وفتاة بلباسهما الفولكلوري يوصلان الى الضيفة حلوى البوغاتشا ومشروب الراكيا المشهورين لدى شعوب البلقان، إذ يرمزان الى الخبز والملح في الطقس الأرثوذكسي، وللترحيب بالضيوف. "كوستا" مرتاح في مهامه هذه، هو الذي اعتاد تسلق سلالم كانّ الذهب. لكن، ما إن ينتهي الاستقبال الحاشد حتى ينزع المعطف ويعود الى العمل، فنراه يركض شمالاً يميناً استعداداً لحفل الافتتاح. كلّ شيء يحتاج لبركته كي يشق طريقه الى النجاح. "كوستا" هو الـ"وان مان شو" الذي يحرص على كلّ شاردة وواردة. أميرٌ يتربع على عرش مدينة فاضلة تشبه ستوديواً سينمائياً من بعيد، لكنها زاخرة بألف تفصيل وتفصيل تجعل منها أحدث المدن قدماً في العالم. مدينة بناها متطابقةً هندسياً وروحياً مع المدن المجاورة حيث البيوت مشيدة وفق قاعدة معينة تتيح لأصحابها جمعها في وقت قصير وأخذها الى مكان آخر. في زمن الاحتلال العثماني، هكذا كان يفعل الناس للهرب والاستقرار في مكان آخر.
انها لحظة افتتاح المهرجان في درڤنغراد. صمتٌ كاسر يسيطر على ساحة المدينة كما لو كنّا في قداس. الثلج لا يزال غائباً والطقس الخريفي يجعل هذا النوع من الافتتاح في الهواء الطلق مناسبة للأهل لاصطحاب صغارهم. نحو 500 شخص في باحة يجوبها "كوستا" ليأمر هذا أو ذاك بمهمات مخلتفة استعداداً للحظة. هو القائد الأوحد للأوركسترا. الكلّ يأتمر بـ"البروفسور" كوستوريتسا. نخاله يصوّر "أحصنة النار" لبارادجانوف. أبحث بين الحضور عمّن يشبه شخصيات أفلامه من الغجر. فرقة من الاناث والذكور تنشد اهازيج تراثية في زاوية قريبة من الباحة. هذا المساء، اختار "كوستا" الديسكو مع نوتات من "الدانوب الأزرق الجميل" لستراوس. نمرة موسيقية باروك تجسد اغتيال وارث عرش الأمبراطورية النمسوية ــ المجرية فرديناند، الذي اشعل فتيل الحرب العالمية الاولى. في مئوية تلك الحرب، أراد "كوستا" المعروف بمواقفه السياسية التي أسالت الكثير من حبر الفلاسفة (برنار هنري ليفي، سلافوي جيجيك...) الانتصار لفكرة ان ألمانيا والنمسا هما المسؤولتان المباشرتان عن الحرب وليست صربيا، مشاركاً في الجدل الذي يدور حالياً بين التحريفيين والموالين للتاريخ الرسمي الصربي.
تجتاح المرء أسماء كثيرة وهو يتنقل في زواريب المدينة التي يحرص "كوستا" على أن تكون صديقة للبيئة، لكنّ واحداً يتقدم هذه الأسماء: فيتسكارالدو، الايرلندي الذي جعل باخرة ضخمة تتسلق الجبل في رائعة فيرنير هيرتزوغ. "كوستا" أتى بشيء أهم من الباخرة الى هذه الأرض المتروكة: الحياة بكل تفاصيلها الضرورية للعيش، وفي الطليعة الثقافة والفنّ. في الحانة التي سمّاها "الفناء الملعون"، تيمناً برواية الكاتب الصربي ايفو اندريتش، نحتسي كأساً من الخمر ويروي لي: "هذه المدينة تشبه كلّ شيء قمت به. كنت دائم الاهتمام بالمساحة في أفلامي. أؤمن بأن السينما مساحة. أول ما رأيتُ هذه الهضبة، قلتُ: لمَ لا نبني بيتاً عليها؟ لم ارد مجرد بيت بل مدينة تدب فيها الروح. كنت عائداً من باريس وأبحث عن مكان استقر فيه، بعدما استهلكتُ حبّي للمدن. ثم فكرت: كيف يمكن ان أُحدث علاقة بين البيوت المتناثرة. لم يكن هناك تواصل بينها. المشهد كان مختلفاً عمّا تراه الآن. كان هناك ثلاثة أو اربعة بيوت وبعض المواشي".
اليوم، تعوم المدينة التي عمرها أقل من عشر سنين على تاريخ وهمي مركّب، مانحة الانطباع بأنها هنا منذ زمن بعيد. أينما نظرتَ، رأيتَ لقطة سينمائية. الشوارع والساحات والأزقة تحمل أسماء كبار المخرجين والأدباء وكلّ ما ألهم "كوستا": هنا مطعم فيسكونتي، هناك شارع فيلليني، وخلفه ساحة برغمان، وبالقرب منها مسرح كوبريك. بروفسور كوستوريتسا ظلّ وفياً لبعض المقرّبين في حين هجر صداقة البعض الآخر. مثلاً: سمّى إحدى الجوائز التي يمنحها في المهرجان باسم فيلكو فيلاتش، المصوّر الذي التقط مشاهد معظم أفلامه حتى رحيله المفاجئ عام 2008. لا نستطيع أن نقول الشيء ذاته عن ارتباطه الذي انقطع مع غوارن بريغوفيتش، الموسيقي الذي خلّد سينما كوستوريتسا من خلال توزيعات مغايرة لأغانٍ شعبية كـ"اديرليزي". فبينهما عداء تتغير أسبابها بين مصدر وآخر.
"عندما ترى الناس في هذه المدينة"، يقول، "تخالهم يعيشون في زمن الاغريق الذي كان في بالي دائماً. كل شيء كنت اقيسه بالمساحة، كما في المدن الاغريقية القديمة. فكرتُ في مدينة إفسس العظيمة. ثم شيئاً فشيئاً بدأتُ اتجه الى السينما. هذه مدينة أحلام تستضيف أناساً مختلفين ونشاطات مختلفة، وليست فندقاً عادياً. كلّ ما اخذته من السينما والموسيقى اعيده الى السينما والموسيقى". لكن، ماذا عن كنيسة الخشب الصغيرة في وسط المدينة؟ "كوستا" المولود من أب ملحد وأمّ مسلمة، اعتنق المسيحية عام 2005. يقول مدافعاً عن خياره: "بعد موت أمي وتفتت يوغوسلافيا، شعرتُ انه عليّ ان اعود الى هويتي الأرثوذكسية. فعلتها فحسب. كنت اريد كنيسة خشبية صغيرة. هكذا أحب الكنائس. لا ارتاح عندما ادخل الى كاتدرائيات كبيرة. انها ضمن روحية المدينة".
اراد "كوستا" مهرجاناً مضاداً يشبه الباروديا ويخوّله أن يفعل الأشياء على طريقته. هنا يمكنه ان يمنح أصغر فرهادي جائزة لسينماه المقبلة، وان يخلق تلك المساحة المحببة بين أصحاب الخبرة والمبتدئين من الشباب، وأن ينظم مراسم دفن لبكرات أفلام هوليوودية تعسة. لا يتردد في التذكير بأن المهرجانات الأخرى أمكنة حيث الكلّ يكره الكلّ خلافاً لمهرجانه حيث الحبّ هو أساس كل شيء. "لم أعد اتحمل مهرجانات المجد والشهرة، حيث التركيز ليس على السينما بل على النجوم والمشاهير. لستُ ضدّ كل هذا لكنني أسعى الى شيء آخر".
في لقاء جمعه بمدير كانّ الفني تييري فريمو حول مستقبل السينما، تكلم كوستوريتسا عن الشاشة المعاصرة التي يملك ازاءها رأياً نقدياً قاسياً. هاجم اسلوب محطة MTV الأميركية في التصوير ("القناة التي تقتل العلاقة بين المساحة والزمن")، واقترح نموذج "هوليوود الجديدة" التي طرحت نظماً سردياً جديداً بدءاً من السبعينات مع أمثال كوبولا ورافلسون. تكلم عن "اسهال العفوية" وكيف ان السينما الحالية تفعل كلّ شيء باستثناء ما ينبغي ان تفعله. استعاد منطق ارسطو القائم على المزج بين الكوميديا والدراما كحلّ فعال، متحدثاً عن ضرورة الفصل بين المعلومات والثقافة. أمّا الحقيقة في السينما فمعدومة: "في السبعينات، عندما اخذ غودار كاميراه الى "الحقيقة"، كان يتجاهل عنصراً مهماً: في اللحظة التي تضع فيها ثلاث لقطات واحدة تلوى أخرى، هذه "حقيقتك" وليست الحقيقة. صناعة فيلم عمل هندسي. اليوم، السينما السائدة هي تلك التي ليس ضرورياً ان تشاهدها في الصالة. في بداياتي، كنتُ أسأل نفسي كيف يجب أن أصوّر. هل عليّ استخدام اللقطة الطويلة أم اللجوء الى التقطيع. في النهاية، قررتُ التمسك بالطريقتين في العمل. لا شعور بالمكان من دون الشعور بالزمن. انظر الى المشهد الأخير في "المهنة: مراسل" لأنطونيوني. حتى المشاهد البدائي يشعر بسرمدية اللقطة. اليوم، تقنية الـ"سي جي أي" هي البديل، وهنا الخطورة. يمكنك اعادة خلق أورسون ويلز اذا اردت. لكن أنا أقول هناك احتمالات كثيرة، ابسطها لا يزال الأفضل. الـ"سي جي أي" لا تستطيع ان تولد انفعالاً لدى المُشاهد، لأن مهامها هي الصدمة، في حين مهمة المخرج أن يضعك في روحانية اللحظة. السينما في الماضي اجتاحتها افكار ماركس وسارتر، اليوم فيها ثلاثة اسئلة مهمة: أين مكانك في هذا العالم، ما مقدور العدالة في حياتك، ومن هو بطلك؟".
لكوستوريتسا وجهٌ آخر يجهله عابر السبيل في درڤنغراد ويجب التنقيب عميقاً في الرجل والأوساط المحيطة به لإسقاط القناع عنه. انه وجه الفنان الغاضب الذي يحلق في الأجواء بالهليكوبتر، الرؤيوي الذي يرتدي سترات بألوان التراب، شرّيب النبيذ الذي منع الـ"كوكاكولا" عن مدينته ليس تكريساً لميله المناهض لأميركا، بل لأنه يعتبر هذا المشروب نوعاً من السمّ. هذا ينسجم مع فكرته الطريفة التي اقتصرت على وضع كلٍّ من جورج بوش وخافيير سولانا في زنزانة تحت احد المطعمين في درڤنغراد. السينمائي المتواضع الذي يعلن لفرهادي أمام الجميع أن الأخير صنع أفلاماً لا يحلم هو بإنجازها، تجتمع فيه تناقضات كثيرة: صاحب ايغو متضخمة يسمح لعامل بسيط بأن يطبطب على ظهره ولا يتأخر عن وضع يديّ عازف الغيتار في الثلج خلال حفلة موسيقية. باختصار، هذا الرجل يحارب على أكثر من جبهة، سينمائية وفنية وتاريخية، ولا يزال يجرجر خلفه اتهامات قديمة، محورها قوميته وتقليل شأن المجازر في البوسنة من قبل مَن لم يشاهد أفلامه قطّ.
الرجل المتعدد الموهبة (موسيقى، سينما، كتابة) الذي كسر خاطر تيو انغلوبولس يوم سلب منه "سعفته" الثانية في كانّ عن تحفته "اندرغراوند" (2005)، صاحب طموحات فضفاضة تتجاوز كلّ حدّ. يقال انه أتى بحجارة خاصة من البوسنة الهرسك لبناء مدينة اندريتشغراد في فيشغراد (الجمهورية الصربية وهي مقاطعة منفصلة عن صربيا) على مقربة من درڤنغراد: مدينة كاملة مهداة لايفو اندريتش الحائز جائزة نوبل، صاحب "جسر على نهر درينا". عندما يضع احدهم عراقيل أمام حلمه، يصيح في وجهه: "هل تعتقد أنني سأحمل كل هذا معي الى القبر؟". عن اندريتشغراد التي ينتهي من بنائها هذه السنة، يقول: "انها محاولة للاتيان بنهضة الى مكان لم يشهد نهضة. خلال الاحتلال العثماني، كانت اوروبا تعيش عصر النهضة، ونحن الذين على باب أوروبا لم ننهض. مزيج الأنماط سيجعل منها مدينة متعددة الاتنية. هذه مساهمتي لاعادة بناء الحياة التي خسرتها البوسنة، فساراييفو لم تعد مدينة متعددة الاتنية بعد التطهير الذي حصل فيها مثلما حصل في غيرها. (...) أمّا أنا فعليّ ان أعيش في صربيا مع معرفتي المسبقة كم الحياة صعبة فيها".
بعد مشروعين لم يتحققا، أحدهما في فلسطين والثاني عن بانشو فيّا، يعود "كوستا" الى السينما بعد غياب ستّ سنوات بفيلم "طريق الحليب" مع مونيكا بيللوتشي، عن قصة وقّعها بنفسه. يعترف بأن ليس لديه مشكلة في ايجاد تمويل لأفلامه، لكنه امتعض في مرحلة من السينما. العمل المقبل سيكون من قماشة أفلامه الماضية، ولكن أكثر نضجاً وأقل باروكية. هذه المرة الأولى يقف فيها أمام الكاميرا وخلفها ويقول انه لن يكرر التجربة لصعوبتها. يُسمعنا لحن الفيلم الذي نعلم انه لن يشارك في كانّ المقبل لأنه لن يكون جاهزاً. كل ما نأمله أن يعود الى السينما الكبيرة بعد فيلمين مخيّبين.
انه اليوم ما قبل الأخير لإقامتنا في درڤنغراد ولا تزال محطة التزلج تنتظر العاصفة والثلوج. راقبت "كوستا" لأكثر من خمسة أيام قبل أن أكوّن عنه أيّ انطباع. انه كالزئبق يستحيل التقاطه. قبل المغادرة، نظرتُ اليه ثم نظرتُ الى صوره المعلّقة على جدران حانة "الفناء الملعون"، يوم نال "سعفته" الثانية: هناك 20 عاماً اضافية حول عينيه وعلى جبينه، 20 عاماً بحث خلالها عن بلاد ضائعة وأحلام متناثرة، وجدها أخيراً في حضن الطبيعة. تذكرتُ مشهد انفصال قطعة الأرض في نهاية "اندرغراوند" وعليه مجموعة ناس. فعلاً الحياة تقلّد الفنّ!

hauvick.habechian@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard