حياتهن الجنسيّة بعد الـ55

28 كانون الثاني 2014 | 00:00


لماذا هذا الموضوع عن النساء من عمر الـ55 وما فوق؟، لأن الجنس ركيزة أساسيّة في الحياة وهو يؤثّر على جميع جوانب سلوكنا. تقع الحياة الجنسية في صلب كياننا، وهي غالباً ما تكون مسؤولة عن العديد من التعقيدات التي نواجهها في علاقاتنا الشخصية وتفاعلاتنا. التطرق إلى هذا الموضوع مرتبط بالعديد من المصاعب والمواقف التي نواجهها بألم وإحساس بالذنب بسبب نقص في المعلومات. ففي الواقع، يميل الإنسان الذي يعاني مصاعب في حياته الجنسية بسهولة، إلى الشعور بأنه غير طبيعي.

لأن النساء المتقدمات في السن أقل تأثراً بالتحرر الأخلاقي المعاصر، ما زلن يشعرن بالحياء والخجل ويرفضن اللجوء إلى الإستشارة عن المصاعب الجنسية، هذا عدا عن المحظورات الجنسيّة الراسخة. كما أنه من الشائع خطأً، إعتبار الحياة الجنسية حصرية بفترة الشباب. لذا يشعر الأشخاص المتقدمون في السن ضمنياً، بأنه ليس عليهم بذل أي مجهود أو تخصيص أي وقت لحل المشكلات التي تعترض حياتهم الجنسية. علماً بأنهم قادرون على الإستفادة من الطاقة الحيوية التي لطالما إستثمروها في الإنتاج الإقتصادي ولأنهم في المرحلة المناسبة من العمر تحديداً، ولديهم متسع من الوقت للإستمتاع بالحياة. ومن أساسيات متعة الحياة العلاقات الإنسانية عموماً والحياة الجنسية خصوصاً.
تشمل الحياة الجنسية جميع التعابير والأحاسيس إذا كانت ذات طابع جنسي ذاتي وشخصي، أو جنسي غيري، أو جنسي مثلي من مداعبات، ونظرات، وعناق، وعواطف، ورغبات، وعلاقات، وتبادلات، وأحلام، وهوّامات والرعشة بالتأكيد، إلخ... بالمختصر، للحياة الجنسيّة جوانب نفسيّة وفيزيولوجيّة.
عوامل عديدة ومتنوعة على غرار المعرفة، والإدراك، والخيال، والذكريات، والصفات الشخصية الخاصة، إضافة الى مظهر الشريك، توقظ الإهتمام الجنسي وتغذيه وتعززه أو تحبطه. فالإهتمام الجنسي يتأثر بالتكوين الفكري، والتربية، والقيم الثقافية والدينية. وللتذكير، نشأت النساء على فكرة أن الجنس أمر "سيء". وإلى جانب هذا الحكم الأخلاقي السلبي، يأتي النقص في المعلومات عن الحياة الجنسية.
عند المرأة، جميع الحواس تسهم في الحياة الجنسية، ويأتي اللمس في المقدمة. فبشرتها بأكملها عضو جنسي وغالباً ما لا يستثار إهتمامها الجنسي إلاّ من خلال التواصل واللمس. عندما ينعدم التواصل والتلامس، تتفاقم الأمور وتتدهور العلاقة.
هي الهوّامات، أي الخيال الذي نتكتم عنه، هي الأمور التي في أعماقنا والتي يمكنها أن تزيّن وتثير وتزيد المتعة. جميعها هي في الواقع أقل تطوراً لدى المرأة عموماً ولكن من الممكن تفعيلها، أي تفعيل الخيال والقدرة والموهبة الإيروتيكية. يكشف الخيال وتطوره عن الشخصية وغناها. هو القدرة التي يمكن للمعرفة والتربية أن تؤثرا من خلالها على السلوك الجنسي.
للموانع والمحظورات سواء كان مصدرها رقابة الأهل التي إعتنقتها المرأة أو المحظورات الجنسية الإجتماعية والثقافية، فضلاً عن الإخفاقات السابقة، تأثير سلبي على الخيال وتؤدي إلى إرباك المقدرة الإيروتيكية. على الكثير من النساء اللواتي يعانين من مشكلات جنسيّة، أن يبدأن علاج خيالهن كمرحلة أولى وأن يتعلمن استخدام هذا الخيال لصنع سيناريوهات إيروتيكيّة يشاركن شخصياً فيها؛ هكذا تعتاد المرأة على إستخدام خيالها، ويكون لهذا الأمر وقع إيجابي على إهتمامها الجنسي.
التوصيف الداخلي للمشاعر أو الترميز الإيروتيكي وإعتبار التجربة بأنها إيروتيكيّة، عنصر مهم آخر بالنسبة الى الإهتمام الجنسي للمرأة المتقدمة في السن. من دون ذلك، لن تعتبر المرأة أي من المحاولات التي يقوم بها شركاء محتملون للتقرب منها بمثابة دعوة إيروتيكيّة، ولن تعتبر هذه المحاولات مقدمات غرامية. كما أن الذكريات عامل مهم أيضاً بالنسبة الى الإهتمام الجنسي. قد يبدو لنا واضحاً أن التجارب السابقة قادرة على تحسين أو تخفيف إندفاع الشخص نحو الحياة الجنسية. فالتجارب الغرامية الفاشلة المتتالية تؤدي إلى فقدان الثقة في الذات وتخفف الإهتمام الجنسي للمرأة.
يمكن الشريك أن يحدث فارقاً في الإهتمام الجنسي من خلال ميزاته وصفاته الجسدية والأخلاقية. وهذا صحيح للرجال والنساء. فإذا كانت المرأة بمظهر مهمل أو تعاني من عيوب جسدية، أقل إيروتيكية وإثارة جنسياً بالنسبة الى الرجل، فالأمر سيّان بالنسبة اليها. فالرجل البدين (مع الكرش) والأصلع والمنزوع الأسنان، والمتململ، وفي عجلة من أمره، يخفف الشهوة والإثارة الجنسية لدى المرأة إن لم يقض عليها. ويعتبر تراجع وإنخفاض الإهتمام ردة فعل طبيعية، وعلى المرأة أن لا تشعر بالذنب حيال هذا الأمر وتعلن نفسها باردة جنسياً.
في المحصلة، يعتبر الإهتمام الجنسي بمثابة الشرارة التي تُحرّك الرغبة التي تظهر على شكل سلوك جنسي يعّم الجسد بكامله.
مرة أخرى، وعلى عكس ما يُشاع خطأ، تزداد المتعة والرغبة الجنسية لدى بلوغ سن اليأس. ولتحسين الإهتمام الجنسي، علينا العمل على تحسين العوامل النفسية التي تحض على ذلك. إذ عند إيقاظ الإهتمام الجنسي، تتحدد ملامح الرغبة التي تتمحور حول الشريك. وبعد تفعيل الخيال والحواس المختلفة، تحصل تغييرات على مستوى الجسد وهي مراحل الإثارة الجنسية.
70% من الإستشارات في عيادات الصحة الجنسية، تتمحور حول تراجع وإنخفاض الإهتمام الجنسي. وقد يكون سبب فقدان الإهتمام كون الموضوع الجنسي، أي الشريك، أقل إثارة جنسياً بسبب المرض أو التقدم في السن أو لأن رتابة الحياة اليومية قضت على موارد الخيال. وقد يكون إكتئاب أحد الشريكين سبباً في فقدان الإهتمام الجنسي، وهو يؤدي إلى إنتفاء أي إهتمام بالمشاركة والتواصل لدى كلا الشريكين. وقد تصبح الحياة مع الشريك المكتئب، مصدراً للكآبة ولعل أهم مظاهرها هو تراجع الإهتمام أو فقدان الإهتمام بأي شيء. كما أن التجارب الجنسية السيئة المتتالية، وفقدان الإشتهاء في الحياة اليومية وعدم القدرة على ايجاد مواقف غير متوقعة هي أيضاً مسببات لفقدان الإهتمام الجنسي واللامبالاة.
العدائية تجاه الشريك هي من بين الأسباب الأخرى الكامنة (الضمنية) للمشكلات الجنسية، وهي شائعة لدى النساء وغالباً ما تكون على ما مستوى اللاوعي؛ عدوانيّة تُسمّم العلاقة بين الشريكين مصدرها الإحباط ونقص المشاركة. والسبب في ذلك، هو أننا نجد أنفسنا في موضع الشخص الذي ينتظر الكثير من الآخر ويتطلب منه أن يهتم بشؤوننا. عندها نصاب بالإحباط ونتخذ موقفاً سلبياً. هذا الموقف ليس حصرياً بالأشخاص المتقدمين بالسن.
لا يمكن المرأة المتقدمة في السن أن لا تكون واعية للتغييرات التي تطرأ على جسدها بفعل عوامل الزمن، وقد تكون صورتها عن ذاتها بفعل هذا الأمر مصدر إحباط. إلاّ أن صورة الذات قد تصبح عنصراً إيجابياً. وهي مهمة بالنسبة الى الإهتمام الجنسي الصحي: هذا هو السبب الذي يجعل المرأة التي بلغت عمراً معيناً وتتمع ببعض الخبرة، سعيدة بوصولها إلى هذه المرحلة من الحياة. إذ تكتشف بأن أداءها الجنسي أفضل بعدما اكتسبت الخبرة وبعض الثقة بالذات. وتعتبر نفسها شخصاً فاعلاً جنسياً ومسؤولاً عن متعتها، ولا تعتبر نفسها مفعولاً بها. أما في المقابل، إذا كانت تعتبر نفسها موضوعاً جنسياً (مفعولاً بها) من السهل عند تغيّر الصورة التي لديها عن جسدها مع تقدمها في السن، أن تشعر بالإحباط والكبت وبأنها غير قابلة لأن تكون لها حياة جنسية.
في الخلاصة، نحتفظ بإهتمامنا الجنسي مع التقدم في السن في حال علمتنا التجارب أن نكون مسؤولين عن متعتنا في الحياة، وفي حال أثرينا خيالنا وحافظنا على اهتمامنا بالشريك. بالطبع يتغيّر الحب بعد ثلاثين عاماً من الحياة المشتركة ويصبح أقل رومانسية وتصبح تعابيره الودية أكثر شيوعاً من التعبير الجنسي. تختفي الإثارة المرتبطة بكل أمر جديد. هل يمكن أن يستمر الحب مع مرور الزمن؟ هل يمكننا أن نكون مغرومين بعد مرور 20 أو 30 سنة؟ هذا موضوع جيد للمناقشة!

*اختصاصي في الصحة النفسية والصحة الجنسية
www.heavenhealthclinic.com

info@heavenhealthclinic.com

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard