روبرت موغابي... بطل تحوَّل طاغية

7 أيلول 2019 | 06:33

رئيس زيمبابوي السابق روبرت موغابي الذي توفي أمس، في صورة مؤرخة 8 حزيران 2000. (أ ف ب)

خلال حكمه الذي استمر 37 سنة إلى حين سقوطه تحت ضغط الجيش في تشرين الثاني2017، تحول رئيس زيمبابوي روبرت موغابي، الذي توفي أمس عن 95 سنة، من بطل للاستقلال وصديق للغرب إلى طاغية تسبب بانهيار اقتصادي لبلده.

تسلم موغابي عام 1980 بلداً يشع بوعود الاستقلال وتركه عام 2017 منهاراً اقتصادياً وينهشه القمع. وحتى بعد سقوطه، واصل البلد تراجعه الى درجة أن بعض مواطنيه بدأوا يتحسرون علناً على العقود الأربعة لحكمه.

وقال الاستاذ في جامعة اونيسا بجنوب افريقيا شادراك غوتو: "كان قائداً أدت سلطته إلى تركيع زيمبابوي".

ولكن عندما تولى قيادة روديسيا التي كانت تحكمها الاقلية البيضاء، كان موغابي يثير الاعجاب.

فسياسة المصالحة التي اتبعها باسم حماية وحدة البلاد جعلته موضع إشادة خصوصاً في العواصم الاجنبية. وقال في حينه: "كنتم أعداء الأمس واليوم أنتم أصدقائي".

وعيّن شخصيات من البيض في مناصب وزارية مهمة وسمح حتى لزعيمهم أيان سميث بالبقاء في البلاد.

وبدا الثائر موغابي الذي يحمل شهادات جامعية، زعيماً نموذجياً. فخلال عشر سنين، أحرزت البلاد تقدماً كبيراً من بناء مدارس الى فتح مراكز صحية وتأمين مساكن للغالبية السوداء.

لكن البطل بدأ في وقت مبكر جداً يتصدى لمعارضيه.

وعام 1982، أرسل الجيش الى إقليم ماتابيليلاند المنشق وأرض قبائل نديبيلي وحليفه السابق في حرب الاستقلال جوشوا نكومو. وأوقع القمع الوحشي نحو 20 ألف قتيل.

لكن العالم غض النظر. ولم ينته هذا الوضع في الالفية الجديدة مع تجاوزاته حيال المعارضة وعمليات التزوير للانتخابات والاصلاح الزراعي العنيف الذي قام به.

وبعدما أضعف سياسياً وزعزع استقراره رفاقه السابقون في حرب الاستقلال، قرر اشغالهم باطلاقهم ضد المزارعين البيض الذين كانوا يملكون الجزء الاكبر من أراضي البلاد.

وأصبح مئات الآلاف من السود مالكين لأراض، ولكن بعد أعمال عنف أجبرت معظم المزارعين البيض البالغ عددهم 4500 على مغادرة البلاد.

وعجّلت حملة الاصلاح في انهيار الاقتصاد الذي كان متعثراً أساساً. وتعاني زيمبابوي حالياً نقصاًُ في السيولة ويعاني تسعون في المئة من سكانها من البطالة.

وبعدما جسد موغابي نجاح أفريقيا المستقلة، تحول بلده دولة مارقة، لكنه تكيف مع الوضع بسهولة.

وفي خطب طويلة ضد الامبريالية، حمل الغرب مسؤولية كل مشاكل البلاد وخصوصاً انهيارها المالي، ورفض كل الاتهامات بالاستبداد. وقال في 2013: "إذا قال لك أشخاص إنك ديكتاتور... فهم يفعلون ذلك خصوصاً للإضرار بك وتشويه صورتك، لذا لا تهتم بذلك".

وفي السنوات الأخيرة، كان موغابي ينفي باستمرار التكهنات عن وضعه الصحي. وأشيع أنه مصاب بالسرطان، بينما أكدت مصادر في محيطه أنه يتوجه الى سنغافورة من حين إلى آخر لعلاج الماء الزرقاء في عينه.

وقال في 2013 قبل إعادة انتخابه إن "سنواتي الـ89 لا تعني شيئاً... هل غيرتني؟ لم تجعلني ضعيفاً ولا خرفاً. ما زالت لدي أفكار، أفكار يجب ان يقبلها شعبي".

وعلى رغم تأكيداته، تراجعت حاله الصحية. وعام 2015 القى الخطاب نفسه الذي ألقاه في افتتاح دورة العام السابق للبرلمان. والصور التي يظهر فيها غافياً في الاجتماعات الدولية لا تعد ولا تحصى، وكانت تثير ضحك العالم.

ومع ذلك، وعد بالاحتفال بمرور مئة سنة على توليه السلطة، لكنه لم يتمكن من الوفاء بهذا الوعد.

وفي تشرين الأول 2017، أقال موغابي نائب الرئيس ايمرسون منانغاغوا تحت ضغط زوجته غريس الطموحة التي فرضت نفسها في السباق الى الرئاسة، مرتكباً بذلك خطأ قاتلاً. فقد تخلى عنه الجيش، ثم حزبه "الاتحاد الوطني الإفريقي لزيمبابوي - الجبهة الوطنية" (زانو - الجبهة الوطنية) والشارع أيضا.

واضطر أكبر رؤساء الدول الإفريقية سناً، إلى الاستقالة في 21 تشرين الثاني 2017. وكان يبلغ من العمر 93 سنة.

وبعد ذلك، رأى في هذه الخطوة "انقلابا". وعشية الانتخابات العامة في 2018، دعا متأثراً بالغضب الذي تملكه، إلى التصويت للمعارضة.

ولد روبرت غبريال موغابي في 21 شباط 1924 في بعثة التبشير الكاثوليكية في كوتاما بوسط البلاد. وقد وصف بانه طفل وحيد ومثابر يراقب الماشية وهو يقرأ.

وفيما كانت تراوده فكرة أن يصير قساً، دخل سلك التعليم.

وبعدما أغرته الماركسية، اكتشف موغابي السياسة في جامعة فورت هاري التي كانت المؤسسة الوحيدة المفتوحة للسود في جنوب افريقيا في ظل نظام التمييز العنصري. وعام 1960 التحق بالنضال ضد الحكم الابيض والعنصري في روديسيا.

وقد أوقف بعد أربع سنوات وأمضى في السجن عشر سنين جعلته يشعر بمرارة كبيرة. فقد رفضت السلطات السماح له بالمشاركة في تشييع ابنه البالغ من العمر أربع سنوات والذي أنجبه من زوجته الاولى سالي هايفرون التي توفيت عام 1992.

وبعيد اطلاقه لجأ الى موزمبيق المجاورة حيث تولى قيادة الكفاح المسلح إلى حين استقلال بلده وتوليه السلطة.

وطوال مسيرته برهن على تصميم وذكاء لا شك فيهما.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard