غياب الرسّام الإهدنيّ سايد يمّين في جنيف سنظلّ نعثر في اللوحة على وجه هذا الفنّان

23 آب 2019 | 04:45

المصدر: "النهار"

  • المصدر: "النهار"

غاب الرسّام الإهدني سايد يمّين في جنيف (1949 – 2019)، بعدما استبدّ به المرض العضال، وأسكت قلبه. رسّام المكان الأوّل، والاختبار، والبحث، والتجريب، والهمسة، والنسيم، والصمت، والهدوء، والاختصار، والتماهي في اللون، أدرك أنّ الحقيقة ليست فحسب تلك التي نراها بالعين، بل تلك التي نفترضها تخييلًا، ونجرّدها من لحظتها الواقعيّة الآفلة. لهذا السبب بالذات، لم تكن تجريديّته مجّانيّةً، ولا عبثيّة. فقد كان ثمّة هاجسٌ ما يمثل وراء المساحات والانبساطات والخطوط التي تكتنف لوحته، ينبئ بما كانت روحه الحرّة تتوق إلى التعبير عنه، مرّةً من خلال الآفاق المفتوحة، ومرارًا من خلال أشكال التحليق والطيران.

هذا العبور إلى "هناك"، كان يحمل في جوهره تعبيرات الأمكنة والطفولة، مخزَّنةً في ثقافةٍ إنسانيّةٍ ومشهديّةٍ وتشكيليّةٍ عميقة، من دون أن تقول لوحته ذلك علناً وجهاراً. فقد كانت لوحة سايد يمّين قد آلت بفعل العزلة الروحيّة والثقافة والتصفّي والاختزال، إلى موضعٍ تتفادى فيه الإفصاح، لئلّا تقول ما يُقال في العادة، وتقع في التكرار.

يمكن بكلّ ثقة القول إنّ أعمال هذا الفنان التشكيليّ اللبنانيّ تميّزت بتجريده معطيات الطبيعة والإنسان، آخذًا عناصره من واقع الحياة اليوميّة ومؤسلبًا إيّاها، ومرتفعًا بها إلى مستوى الحلم، سواء رسم طفلًا أو طائرًا أو ملامح وجه بعيد، أو رسم جبل إهدن، مسقط رأسه. يلوّنه بأضواء الصباح والمساء، وبألوان روحه ونظرته الخاصّة إليه. ذاك الجبل كان حاضرّا بقوّة في أعماله في السنوات الأخيرة، وكان التعبير عن شَوقٍ في نفسه لم يخمد إلى تلك البقعة التي ولد فيها وظلّ مشدودًا إليها طوال حياته.

عبّرت لوحته أيضًا عن نزعته الإنسانيّة ومعايشته هموم عصره، وخصوصاً ما عصف بالعالم العربيّ، وكان متابعًا له من محلّ إقامته الدائم في جنيف، وهذا ما يطالعنا في بعض أعماله التي تعكس تأثّره بالدمار الذي لحق بالبشر والحجر في دول "الربيع العربيّ" الآفل، ولا سيّما في سوريا، ومنها لوحة بعنوان "تدمر"، عرضها في العام ٢٠١٦ في فندق "لاميري" في إهدن، واعتمد فيها على اللونين الأصفر (للأعمدة) والأسود (للغربان التي تنعق فوقها) وتشي بالخراب.

عندما ترك لبنان قبل بداية الحرب الأهليّة، توجّه سايد يمين إلى روما حيث عمّق دراسته في الفنّ ونهل من شوارع المدينة ومتاحفها الرؤية التي جعلته يتعامل مع اللوحة بصورةٍ جديدة. وجوده في أوروبا، وزياراته المتكرّرة لباريس ومعارضها، وانفتاحه على التجارب الفنّيّة المختلفة، وضعت أعماله ضمن المشهد التشكيليّ المعاصر، وضمن رؤيةٍ هاجسها الجماليّات والبحث الدائم والتجريب والقبض على اللحظة العابرة.

يغيب سايد يمّين حقًّا. بصمتٍ يغيب. وبألمٍ فادح. لكن اللوحة لا تخون. ولا تغيب. ففي هذه اللوحة، في لوحة سايد يمّين الذي يغادرنا، نعثر على وجه الفنّان الذي لا ينال منه الزمن. سنظلّ في هذه اللوحة، نعثر على وجه هذا الفنّان. 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard