انفجار روسيا "عصا غليظة" أميركيّة أخرى؟

15 آب 2019 | 06:25

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يقود دراجة خلال عرض للدراجات في مدينة سيفاستوبول بشبه جزيرة القرم في 10 آب الجاري.(أ ف ب)

تشيرنوبيل تطلّ مجدّداً. لكن هذه المرّة من قاعدة نيونوكسا في شمال روسيا حيث يُعتقد أنّ صاروخاً روسيّاً ذا دفع نوويّ انفجر الخميس الماضي أثناء تجربته، ممّا أدّى إلى مقتل خمسة علماء نوويّين على الأقلّ، شيّعوا في مدينة ساروف التي تبعد 370 كيلومتراً عن مكان الانفجار.

صحيح أنّ الانفجار أقلّ حجماً وخطراً بكثير ممّا حصل في تشيرنوبيل بأوكرانيا ربيع عام 1986، لكنّه يمثّل مؤشّراً واضحاً لحجم مخاطر سباق التسلّح النوويّ الذي أطلقه إنهاء روسيا والولايات المتّحدة التزامهما معاهدة النوويّة المتوسّطة المدى.

ويرجّح مسؤولون عسكريّون أميركيّون أن يكون الصاروخ المنفجر من نوع "9 أم 730" أو "أس أس سي – أكس – 9 سكاي فول" وفقاً لتسمية حلف شمال الأطلسيّ، علماً أنّ ما دفع واشنطن إلى الانسحاب من المعاهدة هو نشر روسيا صواريخ أقلّ تطوّراً من طراز "9 أم 729".

تحرّكات سابقة استرعت الانتباه

انتهى الحادث في نيونوكسا هذه المرّة بالطلب من سكّانها أن يرحلوا. وكاد سكّان بلدة سفيرودفينسك التي تبعد نحو 30 كيلومتراً عن مكان الانفجار أن يغادروها بسبب ارتفاع النشاط الإشعاعيّ من أربعة إلى 16 ضعفاً للمستوى الطبيعيّ لهذا النشاط فترة وجيزة. لكنّ السلطات ألغت طلب الرحيل في ما بعد. وظلّ هذا الارتفاع في المستوى الإشعاعيّ أبعد من أن يشكّل خطراً على الصحّة العامّة. وفي غضون ذلك، تعهّد رئيس الوكالة الاتّحادية للطاقة الذرّيّة الروسيّة "روساتوم" الاثنين مواصلة الاختبارات على "الأسلحة الجديدة" التي كان يطوّرها العلماء قبل الانفجار "حتى النهاية".

قبل يومين، ألقى الخبير في شؤون حظر الانتشار النوويّ في معهد "ميدلبوري للدراسات الدوليّة" في كاليفورنيا جيفري لويس الضوء على مخاطر سباق التسلّح وتحديداً على الجوانب التي لا يتمّ الانتباه إليها كثيراً عند مقاربة هذا الملفّ. وذكر في مجلّة "فورين بوليسي" بأنّ تجارب صاروخ "سكاي فول" كانت تجري بداية في منشآة نوفايا زمليا القريبة من القطب الشماليّ، ولكن في صيف 2018، بدأت روسيا تسحب تجهيزاتها العسكريّة بالتزامن مع تقارير أميركيّة استخباريّة عن فشل كل التجارب في الخريف الذي سبقه وبلوع أطول اختبار بالكاد 22 ثانية. وبعدها نقلت موسكو المنشأة إلى نيونوكسا حيث حصل الحادث.

"نوستالجيا غريبة"... وتصريح أغرب

وعزا جيفري سباق التسلّح بين واشنطن وموسكو إلى "نوستالجيا غريبة" أو إلى أن أحداً "لا يمكنه التفكير في شيء أفضل ليفعله". ورأى أنّه حتى مع وضع مسألة نهاية الحضارة البشريّة بسبب حرب نوويّة جانباً، يجب سؤال البيئيين في روسيا والولايات المتّحدة عن تكاليف سباق التسلّح النوويّ في البلدات التي تحيط بمواقع الاختبار خلال الحرب الباردة، ذلك أن "هنالك بشراً في العالم الحقيقيّ سيتحمّلون كلفة سباق التسلّح هذا".

غرّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على "تويتر" أنّ لدى الولايات المتّحدة صاروخاً أقوى بكثير من "سكاي فول". لكنّ قسماً كبيراً من المحلّلين العسكريّين، بينهم جيفري، نفوا هذا الأمر، لأنّ الولايات المتّحدة تخلّت منذ وقت طويل عن صاروخ ذي دفع نوويّ بما أنّه مرفوض باعتباره "كابوساً بيئيّاً، استراتيجيّاً، تقنيّاً". في المقابل، لا تزال أسئلة كثيرة تطرح حول ما إذا كان نظيره الروسيّ فلاديمير بوتين مصرّاً على بلوغ هذا الهدف.

دمار حتى تحت مساره الجوّيّ

إذا استطاع بوتين تحقيق ذلك، فقد تكون الولايات المتّحدة أمام تحدّ استراتيجيّ كبير والعالم أمام تحدّ وجوديّ أكبر. لذا فإن نجاح روسيا في تجربة صاروخ نوويّ الدفع قد يكون منعطفاً هائلاً في التاريخ العسكريّ والسياسيّ على قاعدة سرعته في إصابة الهدف وقدرته على تفادي كل الرادارات. كذلك، فإنّ صاروخاً كهذا سيتمكّن من عبور مسافات أطول بكثير وسيكون قادراً على إصابة أيّ منطقة حول العالم.

وروى كايل ميزوكامي من موقع "الميكانيكيّات الشعبيّة" كيف عملت واشنطن في الخمسينات والستّينات القرن الماضي على صواريخ مخفوضة الارتفاع وأسرع من الصوت، كان يمكنها أن تكون "أخطر سلاح نوويّ تمّ اختراعه على الإطلاق". كان هذا الصاروخ الذي عُرف باسم "العصا الغليظة" سيحلّق على ارتفاع 300 متر، فيما كانت قدرته النفّاثة قادرة على مسح المباني والغابات التي يمرّ فوقها خلال مساره. وكان من المتوقّع أن يحمل 26 قنبلة هيدروجينيّة أقوى مئات المرّات من القنبلتين اللتين ألقيتا على هيروشيما وناغازاكي.

وإذا كان بوتين مصرّاً على استكمال برنامج "سكاي فول" فمتى يمكن أن يحقّق طموحه؟

أزمة متعدّدة المستوى

من المرجّح ألّا يصل إلى ذلك "أبداً"، في رأي أليكس من موقع "فوكس" الأميركيّ. وأوضح استناداً إلى عدد من الخبراء أنّ هذا النوع من الصواريخ يحتاج إلى محرّك يسحب الهواء إلى الداخل في اتّجاه المفاعل النوويّ الذي يسخّن الهواء ويدفع الصاروخ جوّاً. لكن على الصعيد العمليّ، يواجه الصاروخ مشكلة لا يمكن تجاوزها لأسباب عدّة، منها أنّ العمليّة ستضيف وزناً كبيراً إلى ذلك الصاروخ ممّا يجعله أثقل من أن ينطلق.

ولاحظ أنّ الولايات المتّحدة تعلم ذلك جيّداً بما أنّها حاولت بناء برنامج كهذا إبان الحرب الباردة "مشروع بلوتو" وتخلّت عنه. وبالنسبة إلى ميزوكامي أيضاً لم يُبنَ هذا الصاروخ قط، لأنّه كان خطيراً جداً حتى على مستوى التجربة، خصوصاً نتيجة الانبعاثات النوويّة التي يخلّفها.

وبصرف النظر عمّا إذا كان بوتين سيكمل تجربته هذا النوع من الصواريخ أم يتراجع عنها، تبقى أخطار سباق التسلّح النوويّ قائمة، سواء أكان تسلّحاً نوويّاً تقليديّاً أم ثوريّاً. ولا يتعلق الأمر فقط بالتداعيات التي لا تزال تشيرنوبيل تشهدها إلى اليوم. ذلك أنه تكفي معرفة أنّه بعد نحو ثماني سنوات من الحادثة، لم تستعد مدينة فوكوشيما الحياة الطبيعيّة بعد الكارثة النوويّة التي واجهتها بسبب التسونامي الذي ضرب أحد مفاعلاتها للطاقة الكهربائيّة.

إذا كانت الطاقة النوويّة السلميّة في إحدى أكثر الدول تقدّماً يمكن أن تشكّل خطراً على محيطها البيئيّ والسكنيّ، فكيف بسباق تسلّح قد تتسارع تجاربه في المستقبل القريب؟!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard