عوده: واجبنا أن نحمي أبناءنا من كل "حرية" زائفة

14 آب 2019 | 00:00

تحت عنوان "نعمة الحرية"، ألقى متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الارثوذكس المطران الياس عوده الاحد الماضي عظة خلال ترؤسه القداس الالهي، هنا أبرز ما جاء فيها:

"تتحقّق الحرّيّة في المسيحيّة بانــفــتاح الإنسان على نعمة الروح القدس. هي قدرة كلّ واحد منّا على تحطيم أغلال الخطيئة وإبعاد كلّ ما من شأنه أن يؤذيه أو يُدخل الظلمة إلى نفسه. هي انطلاق الإنسان إلى ملء الحياة، في التوبة والجهاد والتنقية والمحبّة. هي المناعة النفسيّة والروحيّة ضدّ كلّ خطيئة وشرّ، والتي يقتنيها المؤمن بتمرّسه على الاعتراف بخطاياه بصدقٍ والتجائه المستمرّ إلى المعونة الإلهيّة. يُحرز الإنسان الحرّيّة بالتربية الصالحة والتدرّب الشجاع على طاعة الله واستمداد القوّة منه.

يعطي البشر تعريفات مختلفة للحرّيّة بحسب ما يوافق غاياتهم وتطلّعاتهم. يعتبرونها قيمة أخلاقيّة إنسانيّة مجرّدة من كلّ بُعدٍ إيمانيّ. هذه الحرية هي في حقيقة أمرها، رغم تذرّعها بالدّين والإنجيل في بعض البيئات، تــنأى عن أيّ إمكان حقيقي لتحرير الإنسان من الداخل، من ذاته وأهوائه وأوهامه الفرديّة والجماعيّة. يبقى متمسّكًا بأقنعته الزائفة ولا يواجه حقيقته، بل يلتهي بالشعارات والزيّ السائد والأمور الراهنة.

أمّا ما يعيشه البعض اليوم باسم الحرّيّة من تفلّتٍ لا مسؤول، وغوغائية، وضياعٍ للقيم، وتمحورٍ أنانيٍّ حول الذّات، وإرضاءٍ للشهوات المظلمة، فهو في حـقــيـقــته تذرّع غير صادق بأفكار تُجَــرِّدُ الإنسان من أثمن ما في حياته، من صورة الله فيه ومن إمكان النموّ وبلوغ "ملء قامة المسيح" (أف 4: 13). لا يحقّق الإنسان إنسانيّته إلّا في المسيح، وأيّ كلام غير هذا هو ضياع، بل تضليل، لِمن يبحث عن معنى الحياة وعن غاية الوجود.

واجبنا أن نصون أبناءنا من كلّ أذى، وممّن يحاولون أن يسبوهم بأفكارهم الدهريّة العالميَّة الغريبة عن الإنجيل وعن وصايا الرب يسوع. واجبنا أن نحميهم من كلّ شرٍّ متأتٍّ من كلّ "حرّيّة" زائفة، وأن نقودهم، كرعاة ومعلّمين وأهل، "إلى ينابيع ماء حيّة". "الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف" (يو 10: 11) لا سيّما إذا ما "شاهد الذئب مقبلًا". لذا، تتصدّى الكنيسة بشجاعة لكلّ ما من شأنه أن يسيء إلى حرّيّة أبنائها من فنّ أو فكر أو عادات أو انحرافات وأنماط عيش شاذّة.

الحرّيّة هي صورة لكمال الله ومحبّته. الله، بملء حرّيّته، يخلق الكون من العدم، ويبدع الإنسان، ويسكب فيه نعمته، ويتدخّل في تاريخ الخلاص من أجله. الربّ، من أجل عظم جلال محبّته، وبحرّيّته المطلقة، تجسّد من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا، "وقَــبِلَ الصليب طوعًا من أجلنا"، وفتــح للــإنســانــيّــة جــمــعــاء الطريق إلى "الحقّ والحياة" لأنّه هو كان وما زال "الــطــريــق والحــقّ والحــيــاة" (يو 14: 6).

طاعتنا لله ولناموس المسيح هي الضمانة الوحيدة لحرّيّة الإنسان، ولازدهار حياته "بالروح والحقّ" (يو 4: 23)، وللفرح الحاصل بخلاص الربّ. وحدها الطاعة لله تضمن حرّيّة الإنسانيّة وانعتاقها من كلّ شرّ وظلمة.

لذلك، يفتخر الرسول بولس بأن يسمّي نفسه في أكثر من رسالة "عبد يسوع المسيح" (رو 1: 1). هذه التسمية في الكتاب المقدّس هي أحد أقوى التعابير عن الحرّيّة الحقيقيّة التي يمكن الإنسان بلوغها. هي اتّحاد الإنسان الكامل بالله، وامتلاؤه من نوره الإلهيّ، وغلبته على كلّ ظلمة وقباحة وخطيئة في هذا الدهر. هذه التسمية هي الانعكاس الكامل لمحبّة الله في قدّيسيه الممجَّدين بالنعمة، والذين أضحوا، بانفتاحهم الكامل على النعمة المحيية والحقّ المحرِّر، آنيةً مختارة للثالوث القدّوس.

ألا جعلنا الله القدوس من عِداد هذه الآنية المختارة. آمين".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard