وجود بضعة جرذان في منزلك أفضل من أن تكون أنتَ نفسك جرذاً

1 آب 2019 | 00:06

المصدر: هيئة التحرير في صحيفة "بالتيمور صن"

  • المصدر: هيئة التحرير في صحيفة "بالتيمور صن"

في حال فاتتكم التعليقات التي صدرت عن رئيس الولايات المتحدة، إليكم الكلمات التي اختارها لوصف دائرة الكونغرس السابعة في مريلاند صباح يوم السبت [27 تموز]. فهذه هي العبارات الأساسية التي استخدمها: "لن يرغب أي كائن بشري في العيش هناك"، "إنه مكان بغاية الخطورة والقذارة"، و"الأسوأ في الولايات المتحدة". أما العبارة المفضّلة لدينا فهي الآتية: "إنها بؤرة فوضى تغزوها الجرذان والقوارض". هو لم يكن يقصد حقاً الدائرة السابعة بكاملها. فهو لم يأتِ على ذكر إليوت سيتي مثلاً أو بالدوين أو مونكتون أو بريتيبوي، وجميعها كائنة في الدائرة المترامية الأطراف إنما ذات الشكل الغريب، والتي تمتد من هوارد كاونتي في الغرب إلى هارفورد كاونتي في الجنوب. لا، كان غضب دونالد ترامب منصبّاً على بالتيمور وتحديداً النائب إلايجا كومنغز، 68 عاماً، الذي كان والده مزارعاً مستأجراً في جنوب كارولينا، والذي يمثّل الدائرة في مجلس النواب الأميركي منذ عام 1996.

ليس صعباً أن ندرك ما يجري هنا. فعضو الكونغرس كومنغز هو شوكة في خاصرة الرئيس، ويعتبر ترامب أن التهجّم على الأعضاء الأميركيين من أصل أفريقي في الكونغرس هو سياسة جيدة، لأنها تدغدغ مشاعر العنصريين البيض الذين يحبّونه، وتدفع بعدد كبير من الأشخاص المتعقّلين الذين لا يحبونه، إلى الصراخ. قال الرئيس ترامب كلاماً سيئاً عن بالتيمور كي يوصل فكرة مفادها أن المخيمات الحدودية "نظيفة وفاعلة وتُدار بطريقة جيدة"، وهي ليست كذلك بالطبع – إلا إذا كنتم تعتبرون أن لا مشكلة في كل هذا الاكتظاظ والبؤس والأقفاص والحرمان التي تتفشى في ما وصفه المفتّش العام في وزارة أمن الوطن منذ فترة وجيزة بأنه "قنبلة موقوتة".

ولم يكن الرئيس يريد، من خلال إشارته إلى الدائرة السابعة، أن يتحوّل انتباه أنصاره نحو معالم على غرار مستشفى جونز هوبكينز الذي قد يكون المركز الطبي الأول في البلاد. ولم يستحضر صوراً من إدارة الضمان الاجتماعي الأميركي حيث يُحرّرون الشيكات التي يُعوّل عليها عدد كبير من الأميركيين المتقاعدين والمعوّقين. ولم يكن يقصد روعة ميناء إينر هاربور ولا التاريخ الأبي لقلعة فورت ماكهنري. ولم يكن المقصود بالطبع المكانة الاقتصادية لهذه الدائرة حيث متوسط الدخل هو في الواقع أعلى من المعدل الوطني. لا، لقد استعاد ترامب موقفاً قديماً قائماً على مهاجمة مشترع أميركي أفريقي من دائرة ذات أكثرية سوداء استناداً إلى الحجج الأكثر عاطفية وتعصّباً. ومن المفاجئ أنه لم يكن هناك متّسعٌ في كلامه لترداد بعض العبارات الكلاسيكية مثل "أنتم أيها الأشخاص"، أو "ملكات الرعاية الاجتماعية"، أو "الغيتوات حيث تتفشى الجرائم"، أو للتلميح إلى عضو الكونغرس بأن "يعود" من حيث أتى.

هذا الرئيس مستعدٌّ بكل طيبة خاطر للانحدار إلى أسفل درك عند أدنى استفزاز له. ونظراً إلى انتقادات كومنغز للسياسة الحدودية الأميركية، والتحقيقات المختلفة التي أطلقها بصفته رئيس لجنة الإشراف في مجلس النواب، واستعداده لنعت ترامب بالعنصري على خلفية هجماته الأخيرة على عضوات الكونغرس الجديدات، هذا فضلاً عن بث مقطع انتقادي عن المدينة منذ فترة وجيزة في برنامج Fox & Friends، لا بد من أن ترامب لم يستطع مقاومة الرغبة التلقائية في التهجّم على بالتيمور . بادرت قناة "فوكس نيوز" إلى إثارة الموضوع، فسال لعاب الرئيس وتحرّكت أصابعه مغرّداً عبر هاتفه الخلوي. وقد كان أمراً مشجّعاً أن نرى شخصيات عامة تهبّ للدفاع عن مدينة السحر يوم السبت، بدءاً من رئيسة مجلس النواب نانسي بلوسي التي هي ابنة المدينة وصولاً إلى العمدة برنارد سي "جاك" يونغ، ولكننا نودّ قبل كل شيء أن نذكّر السيد ترامب بأن الدائرة السابعة، بما في ذلك بالتيمور، هي جزء من الولايات المتحدة التي يُفترَض بأنه يحكمها. فالسلطة التي يتمتع بها البيت الأبيض لإحداث تغيير في هذه المدينة، سواءً أكان تغييراً جيداً أم سيئاً، أكبر من السلطة التي يتمتع بها أي عضو في الكونغرس بما في ذلك السيد كومنغز. إذا كانت ثمة مشكلات في المدينة، بما في ذلك وجود قوارض، فهي مسؤولية الرئيس بقدر ما هي مسؤولية الجميع، لا بل إن مسؤوليته قد تكون أكبر لأنه يشغل المنصب الأكثر نفوذاً في البلاد.

أخيراً، وفي حين أننا لن ننحدر إلى مستوى استخدام أقذع العبارات على طريقة ترامب – أو الإشارة بسخرية إلى أنه لم يتمكن من تهجئة اسم النائب بطريقة صحيحة (اسمه كومنغز لا كومنغ) – نقول للرجل الأكثر خداعاً في تاريخ المكتب البيضوي، الذي يستهزئ بأبطال الحروب ويستمتع بالإمساك بأعضاء النساء الحميمة، وصانِع الإفلاس التسلسلي للشركات، والغبي النافع الذي يستخدمه فلاديمير بوتين، والرجل الذي أصرّ على أن ثمة "أخياراً" بين النازيين الجدد القتلة – نقول له إذاً إنه ما زال عاجزاً عن خداع معظم الأميركيين ودفعهم نحو تصديق أنه يتمتع ولو بذرة من الكفاءة في منصبه الحالي، أو أنه يمتلك ولو نذراً يسيراً من النزاهة. وجود حشرات مزعجة تعيش في حيّك أفضل من أن تكون أنت نفسك حشرة مزعجة.

ترجمة نسرين ناضر

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard