في بكركي والدوائر التابعة لها حركة تستسقي بركة. لجان ولجان شكلها البطريرك الماروني بشارة الراعي وأوكل إلى النائب البطريركي المطران سمير مظلوم الإشراف عليها وترؤسها . إحدى هذه اللجان تدرس استراتيجية للكنيسة يوافق عليها الأطراف الرئيسيون في الطائفة، وتكبّ على بحث كل نقطة خلافية لتضع معجماً سياسياً موحداً تعتمده بكركي ثوابت لها، فلا يعترض أحد على موقف يعلنه البطريرك.
تجتمع اللجان في أكثر من مكان. أحد الأمكنة "المركز الماروني للتوثيق والأبحاث " في زوق مصبح، ويمثل رأي البطريرك احداها الوزير السابق روجيه ديب ويتولى شؤونها الإدارية الاباتي أنطوان خليفة المسؤول عن "مأسسة" دوائر بكركي. واللجان منفصلة ، تضم إحداها ممثلين للأحزاب المسيحية الرئيسية وشخصيات كهنوتية وسياسية سبق أن قدمت أوراق عمل واقتراحات في هذا المضمار، مثل النائب السابق لرئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي ووزير العمل سليم جريصاتي ورئيس جامعة القديس يوسف الأب سليم دكاش. وتركز على المواقف من القضايا والتحديات التي تواجه وستواجه لبنان والمنطقة، وذات التأثير الكبير في لبنان، أخصها وأعقدها القضية السورية ولكن ليس وحدها. وأيضاً مسائل فكرية – سياسية مثل الشركة في الحكم واتفاق الطائف ومآله وتطبيقاته والإصلاحات الواجب إدخالها على النظام واللامركزية وسواها. يقول لـ"النهار" أحد الذين شاركوا في بعض أعمالها إنها "لجنة الاستراتيجيات"، تعمل بتوجيهات البطريرك لكنها ليست وحدها، فهناك مجموعات متعددة تتوزع الملفات وصولاً إلى إرساء الثوابت.
يسجل سياسيون ورجال دين وعلمانيون مهتمون بشؤون الكنيسة أن جمع الأحزاب المتخاصمة ماضياً وحاضراً من خلال ممثليها، وأيضاً إشراك علمانيين في القضايا الوطنية التي تهم الكنيسة هو عمل جيّد في المطلق أياً تكن النتيجة، وقد تمناه اللبنانيون جميعاً انطلاقاً من أن الحوار مطلوب دوماً ولا يستقيم وطن ولا جماعة في ظل قطيعة بين الفئات والأطراف. إلا أن ثمة بعض آراء تنتقد الأسلوب . فالموقف الذي ينتج من جمع أفكار ومواقف متناقضة طبيعي ألا يكون حازماً قاطعاً، حين أن الأوضاع في لبنان تستلزم من الكنيسة كلمة لا تتحمل تأويلات ولا مراضاة خواطر. يريد أصحاب هذا الرأي أن تكون بكركي قائدة كما كانت عند المفاصل الرئيسية في تاريخ لبنان.
ويقول أحد أصحاب هذا الرأي إن ثوابت بكركي معروفة منذ أيام البطريرك الراحل الياس الحويك، الذي سيصدر كتاب عنه للمناسبة خلال شهر يبين دوره الرائد في نشوء دولة لبنان ورهانه على نجاح فكرة لبنان الكبير. ثم هناك مقررات المجمع البطريركي الماروني والإرشاد الرسولي ومقررات السينودس من أجل الشرق الأوسط، وتراث من مواقف للبطريرك السابق نصرالله صفير. كل هذ التراكم يعلن استراتيجية لبكركي، فلا حاجة إلى بحث الثوابت من جديد، بل ربما إلى خطة عمل من أجل تظهير تطبيقاتها.
وعلمت "النهار" أن إحدى الأوراق التي قدمتها إلى المعنيين في بكركي شخصية مسيحية بارزة ركزت على أن ثوابت الكنيسة بالنسبة إليها تقوم على التعايش المسيحي – المسلم الذي كانت بكركي أول من دعا إلى تظهيره وطنيا وسياسيا ودوليا عام 1920 ، وعلى تمسك بالدستور برز عام 1958 برفض تعديله من أجل تمديد ولاية رئيس الجمهورية، وعلى تثبيت رهان التعايش من جديد من خلال تغطية بكركي لاتفاق الطائف الذي يكمن الخلل في تطبيقاته، إذ أشرف عليها نظام وصاية سوري في مرحلة كان جلّ همه تكريس سيطرته على لبنان من خلال إضعاف المسيحيين وأحزابهم ومؤسساتهم، وفي مرحلة أخرى إسلام سياسي لم يتمتع ببعد نظر كاف لملاقاة رهان المسيحيين المؤمنين بالتعايش المتكافئ، وعلى قاعدة أن الطائف مرحلة نحو العبور إلى دولة حداثة ومدنية واطمئنان الجماعات والأفراد إلى حاضرهم ومستقبلهم. والخلاصة أن الصوت الذي يسعى الى التعبير عن كل أصوات المسيحيين سيكون متردداً وبالتالي ضعيفاً، فيما الأخطار من كل صوب داهمة.
الأكثر قراءة
ما سبب عدم التزام الموعد المحدد في الشهر الحالي؟ وهل من موعد جديد؟
نبض