أدب، فكر، فن

المزيد من عناوين أدب، فكر، فن

جديد الأخبار

المزيد من الأخبار
  1. 1
  2. 2
  3. 3
  4. 4
  5. 5
المزيد من الأخبار

ما هو القانون الانتخابي الأفضل للبنان في رأيك؟

جاري التصويت...

الأعداد السابقة

أدب، فكر، فن

وجيه قانصو الفيلسوف المتنوّر والباحث المقدام في المجال الإسلامي العربي


إقرأ هذا الخبر على موقع النّهار: http://newspaper.annahar.com/article/555936

لطالما سمعت وسمعنا، تكلّمت وتكلّمنا عن عصر الإنحطاط الذي نعيش فيه، على الرغم من أنّ العالم من حولنا فيه متغيّرات جذريّة، تدعونا إلى صحوة وتفكير في هذه المنتجات، لأنّ التعامل العقلاني مع الوجود في كلّ تجلّياته وظواهره يتطلّب منّا موقفًا جذريًا، يتّصف بالقبول الفلسفي للواقع تمهيدًا لتغييره. هذا ما اكتشفته عندما تعرّفت إلى مؤلّفات الدكتور وجيه قانصوه، هذا الوجه المتجلّي، صاحب الجرأة والشجاعة، المقدام الذي همّه الوحيد الحقيقة ولا شيء سوى الحقيقة.
يسعى وجيه قانصوه إلى تفعيل الوزنة التي أعطاه إيّاها الله، لنشر المعرفة والعلم. هو من يستحقّ لقب فيلسوف عصرنا بجدارة. إنّه المرجع الأساس في الفكر الإسلامي للأجيال القادمة، بفكره المتنوّر وكتاباته البحثيّة التي لا تحابي الوجوه والوجود.
تتعجب ممن وصل إلى أعلى المعارف في هندسة الروبوت والتحكّم الذكي في عصرنا، وهو الذي حاز شهادة الدكتوراه من جامعة واين ست ميشيغن في الولايات المتّحدة الأميركيّة، تخلّى عنها وعاد إلى وطنه لبنان ليتكرّس في العلوم الإنسانيّة، وحصل على دكتوراه في الفلسفة من جامعة الروح القدس الكسليك، ليصبح أستاذًا في الجامعة اللبنانيّة قسم الفلسفة.
كلّ هذا ليرسم خطًا، وينفض الغبار عن الكثير من الإشكاليّات، وخصوصاً في المجال الإسلامي العربي. فصدر له "التعدّديّة الدينيّة: قراءة في المرتكزات المعرفيّة واللاهوتيّة"، و"أئمة أهل البيت والسياسة". ليطلّ بكتابه المفصلي في توجّهاته الفكريّة، وهو "النص الديني في الإسلام من التفسير إلى التلقّي".
يعلن الدكتور قانصو في مقدّمة الكتاب تدشين فضاءات معنى غير مسبوقة، تفتتح عوالم جديدة تساهم جميعها في اكتشاف الذات لذاتها وإعادة بنائها. ولو كان بحسب قوله، الفصل بين الذات الباحثة وموضوع البحث أمرًا صعبًا أو بحكم المستحيل، ولكن بعد قراءة الكتاب تكتشف أنّه أجاد مهمته على أكمل وجه.
الدكتور قانصو هو من المجددين الذين يفتقر إليهم العالم العربي، كما لبنان، إذ ينبئنا بنهضة جديدة وشرارات فكريّة جريئة لم يعتد عليها عالمنا المعاصر، مطلقًا في الإسلام حقبة جديدة على غرار تلك التي أحدثتها المؤسسة الفكريّة البروتستانتية كما عصر التنوير والحداثة في أوروبا. نعم إنّه شخص بحجم مؤسسة وهو من القلائل الذين نجحوا في تشريح النص الديني وفق نظريّة الهرمنوطقيا وعمليّة الفهم، مثلما استعان لاهوتيو الكتاب المقدّس في الكنيسة الكاثوليكيّة بالنظريّات الفلسفيّة واستنبطوا منها "إغزجتك"(exegetic) أي علم تفسير الكتاب المقدّس. كذلك يدعونا إلى إعادة بناء الذاكرة المعرفيّة والدينيّة في مجرى فكرنا ووعينا الراهنين. يستحضر قانصو رصيد الخبرات التاريخيّة في فهم النص الديني وتفسيره، مؤكّدًا صلاحيّات الباحث والمفكّر أن يتفحّص كليّة التفسير وبناءاتها ويدقّق في صلاحيّتها التاريخيّة.
فالدكتور قانصو، لا يبحث في صدقيّة عمليّة إنزال القرآن الموحى على النبي محمد، بل يتطرّق إلى دراسة حقبة جمعه، والمراحل التي مرّ بها، ويضع إشكاليّات التفسير التي مرّ بها، مستشهدًا بأهم الحكماء والعلماء. ولا يغيّب طائفة أو جماعة أو فرقة، بل يحيط الموضوعات والإشكاليّات بكلّ ومن كلّ جوانبها.
ينقسم كتاب "النص الديني في الإسلام من التفسير إلى التلقّي" ثلاثة محاور كبرى، "تكوين النص الديني"، "طبيعة وبنية النص الديني" و"فهم النص الديني الإسلامي". ويعالج هذه المحاور في خمسة عشر فصلا، إختار لكلّ فصل عنوانًا لم نعتد عليه في الأبحاث العربيّة مثل "وضعيّة النص القرآني ومتغيّراته بعد التدوين"، أيضًا "النص القرآني: الطبيعة والبنية العناصر المغيّبة في قراءة النص الديني"، ليصل إلى الفصل الرابع عشر، "قراءة النص في الحاضر"، الذي فيه تتبلور خلاصة هذا الكتاب وهدفيته. ففكرة "أنّ النص الديني لكلّ زمان ومكان"، "تعني له أنّ لدى النص ما يقوله في كلّ زمان ومكان، ولا تعني، كما تتمّ ممارسته وترويجه حيث يتمّ في الوعي الديني الإنتقال بين الأزمنة مع تغييب كامل للفوارق الجوهريّة القائمة بينها، من دون طرح أي تساؤل بخصوص شروط إمكان ممارسات كهذه وصحتها". ويضيف "إنّ القول بأنّ الله يتكلّم إلينا عبر القرآن لا يعني أنّ ما قاله النص لجيل المتلقّين الأوائل هو عين ما يقوله لنا، أو أن ما نفهمه منه يجب أن يكون مطابقًا لما كانوا يفهمونه". كذلك يرفض قانصو أنّ القرآن هو مجرّد سجل ثابت لتوجيهات وتعاليم تتلقى وتفهم وتطبّق في كلّ الأزمنة على هيئة واحدة.
الدكتور وجيه قانصو، في هذا البحث يكون فاتحًا مقدامًا يدعونا إلى تحرير النص الديني من دلالات مقرّرة مسبقًا تفرض عليه ما يجب قوله وتحجب عنه ما يمكن أن يقوله، وهمّه إخراج النص الديني من حدوده التاريخيّة وإعادة بناء جسر تواصل بين القارئ المعاصر والنص الديني الذي لم يعد يتّخذ صفة المباشرية التي كانت خلال زمن النبي ويدعونا إلى بناء سياق تواصلي مختلف بعد الوعي بمتغيّرات التلاقي بين الزمنين ويضيف متغيّرات تفرض علينا بناء نسق دلالي جديد وتوليد خطاب آخر نشعر أنّنا معنيّون به ومخاطبون به.
لم يكتفِ الدكتور وجيه قانصو بهذا الكتاب، فصدر له أخيرًا كتاب جديد تحت عنوان "الشيعة الإماميّة بين النص والتاريخ دراسة في مراحل التكوين الأولى". أراد من هذا الكتاب تعريف الظاهرة الشيعيّة في حضورها وظهورها التاريخي، فتجرّأ بقوله: "هنالك فرق بين ما قيل للآخرين وما يُقال لنا الآن".
وهو مقتنع بأنّ التشيع ليس مجموعة معتقدات ظهرت دفعة واحدة بل ظهرت وتم تناقلها عبر الأجيال المتعاقبة بتقيّة متقنة وتكتّم شديد، وليست هي حالة سياسيّة فارغة.
إنّ التشيع هو كما أهل السنّة والجماعة، نتاج مساحة حضاريّة وسباق تاريخيّ مشترك. بذلك يؤكّد أنّ التشيع لا يزال من التاريخ وفي التاريخ وأنّه لا يزال إحدى أبرز معضلات الإسلام الشائكة المتخمة بالأسئلة الحرجة والمهملة من الجميع، رافضًا الفكرتين المتناقضتين، الأولى التي تؤكّد أنّ التشيّع حدث طارئ في التاريخ الإسلامي، كما الثانية تعتبر التشيّع أمرًا إلهيًا خالصًا، ويعتبرهما متفقتين في المنهج.
يهدف هذا الكتاب بحسب رأي الكاتب إلى تعرّف ظاهرة التشيّع في حضورها وظهورها التاريخي، لا الوقوف على سرّها المضمر أو النيّات الخفيّة التي تقف وراءها، في محاولة لتفسيرها وفهمها لا تقريظها أو إسقاطها. كما يحاول الإجابة عن السؤال المحوري في هذا الكتاب "لماذا حدثت الظاهرة الشيعيّة وكيف تطوّرت في مجرى التاريخ؟"
ان هم الباحث إعادة الظاهرة الشيعيّة في مجراها التاريخي، ودراستها والإفادة من إنجازاتها وتحليل الإنجرافات التي تعرّضت لها عبر التاريخ. يقسم هذا الكتاب مع موضوعيّته التاريخيّة والبحثيّة ظاهرة التشيّع الإمامي ثلاث مراحل رئيسيّة: مرحلة "التشيّع السياسيّ"، مرحلة "بناء الجماعة أو الفرقة الشيعيّة"، ومرحلة "تأسيس المذهب الإثني عشر".
يرى قانصو المذهب الإمامي بصفته منتجا إسلاميا، ويحرص على رؤية المشهد بوجهيه الخارجي والداخلي. إنّ السياق التفاعلي بين المكنونات الإسلاميّة المتعددة فرض على التشيّع وضعا سياسيا وإجتماعيا وتكوينا عقائديا خاصا من الداخل، من دون أن يفارق الأرض المشتركة لكلّ المذاهب والتيّارات الإسلاميّة من الخارج.
يقول قانصو: "آن الأوان، النظر في رهانات أخرى لا يزال الإعتقاد الحالي يتعامل معها تعامل المستحيل التفكير فيه والممتنع عن التداول، والتفكير من جديد بمنطلقات تأسيسيّة وطوابع منهجيّة ليس في تنقية الإرث الروائي فحسب، بل في طريقة فهمه وتأويله".
رافضًا أن يكون التشيّع بصفته حالة ثابتة وعلى وتيرة حضور واحد في التاريخ، وهذا ما بيّنه في المسار التاريخي. ان هذا الكتاب المرجع سيبقى شاهدًا بأنّ عصرنا ليس عصر انحطاط بل لا يزال موجودا فيه أمثال قانصو يبحثون ويفكرون ويؤمنون بأنّ الحياة في حالة ديناميكيّة تحمل الإنسان إلى الرقي والتقدّم، وحياتنا هي مسيرة تراكمات فكريّة.
إن اختلفت الطوائف في حساسيّتها وخطابها الديني بحسب مواقعها وظروفها، فيتغيّر المعنى وعمليّة فهمها بتغيّر شروط الحياة، عسى أن تفهم كلّ طائفة وجماعة حيثيّات وجودها التاريخي. فنعود ونأخذ ونخطو إلى الأمام وسط ظروف تحميل النص الديني ما لا يحمله خدمة لإيديولوجيّتنا ومصالحنا الخاصة.
إن الدكتور وجيه قانصو أيقونة جديدة منيرة تفتح لنا آفاقًا جديدة في التفكير والبحث والمنهجيّة من أجل مجتمع أفضل يبحث في تاريخه ليعطي معنى جديد لواقعه المتألّم والمنحرف بإيديولوجيّات عقيمة.

قرّاء النهار يتصفّحون الآن

  1. 1
  2. 2
  3. 3
  4. 4
  5. 5
المزيد من الأخبار

يلفت موقع النهار الألكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.