وقفت طويلاً في "غاليري جانين ربيز"، الروشة، امام اشجار كارين بولنجيه، البوليفية الأم والفرنسية الأب، العائدة الى وطن كانت فيه طفلة، وأمام لوحات ماريا كازون اللبنانية الأصل تسوح في عواصم عدة بحثا عن إلهامات ثقافية وطبيعية مفيدة للعين وموزعة المشاعر في عتمة اشجارها المصبوغة بالاسود، القزمة والكبيرة، المتآخية والمنضم بعضها على بعض، خوفاً من الزوال بعاصفة أو بضربة ساطور، يعذبها ويقطعها ويحرقها.
لور غريب
ماريا كازون
انها من جيل الشباب. تتكلم بحرارة عن الغابة. تريحنا في خطابها قبل ان ننعم بلذة النظر الى باقات اشجارها المقطعة والحاملة رائحة اللون الاسود الذي يرتديها ويستقر في كل ذرة من طولها وعرضها واغصانها المقطوعة. في الماضي كان الاجداد يذهبون الى الغابة ليحطبوا ويجمعوا الاغصان اليابسة من اجل التدفئة في ايام الزمهرير.
اليوم اصبح الشجر مصدر رزق وتفنن ومفجر مواهب يعدمها جشع الانسان الراكض دائما خلف الاستثمار والربح.
المجزرة تتسبب بعودة العتمة، فيجمع الانسان الخشب ويسفّره كما في الافلام على وجه الانهر مربوطاً كضمة ازهار، لكنه أكبر وأضخم بمئات المرات. هناك آلة تصوره رزماً، فيها الكبير والصغير، مجرداً من لونه واوراقه وشكله وهيئته الطبيعية، اسود، حزيناً، مربوطاً بقوة. الخشب لا يتنفس ولا يتحرك ولا تمر في محاذاته نسمة هواء هاربة من الغابة الام التي اختفت تحت سطوة الفؤوس او المنشار الجهنمي الذي يقضي على كل حيوية كان يتمتع بها قبل لحظة الانفصال عن أمّه الطبيعة. حزينة هي الرزم المرمية على الارض بسوادها والمحرومة من اغصانها وهيبتها. انها طبعا رسالة الى المستقبل: اتركوني اعيش.
كارين بولنجيه
في الجداريات التي تقدمها إلينا كارين بولنجيه، في حجها الى الارض الام، نشعر بشيء من الحنين الى الجلوس تحت فيء الاغصان الكثيفة التي تدغدغ ذكرياتنا وتعيدنا الى طفولة كانت هائمة في وجدان الشجر الشامخ في احراجنا الباقية في الاذهان، بعدما زالت من الوجود في ايامنا هذه.
في "تمتمات بين الاغصان" الكثير من الافكار الرقيقة والهاربة في الافاق كأنها السراب بعينه. ما ان نقف تحتها حتى نرى انها حاملة الوعود التي تقرب منا صورة مكتملة لغابة قريبة المنال لانها توهم العين بأن الحياة تتفجر يوما من تموجات الالوان التي تبدو الان بعيدة لكنها تعد بها.
الاشجار ليست فقط اثارات بصرية ولا ذكريات تنطوي على ميوعة بدائية ولا حتى مشاريع مستقبلية ستنشأيوما ما.
انها تنطق بالحياة رغم انها محافظة على جذورها ومحرومة من الورق الذي يتحول الى طيارة ورقية ايام الصيف تحت سماء زرقاء. نعم، كارين تشير هنا الى انها لم تشطب رؤوس الشجر لانها ميتة بل تترك لنا حرية تصورها للمحافظة عليها.
النور يتمشى ويتسرب في الجذوة المغروزة في التراب. تقول وشوشات مكبوتة. لا انين بل ترانيم.
هكذا نقرأ الرسالة في هذه القامات المستقيمة الصاعدة نحو السماء. ولان الفنانة تفتش عن نور اضافي نابع من الداخل،تلجأ الى اوراق معدنية لماعة تقول لنا مباشرة انا اضيء الطريق ولا اقفل الممرات حتى في عتمة الليل.
هل نحن امام ليل ونهار في جمالهما واسرارهما ام في انتعاش من جهة واستياء من جهة اخرى؟ لا اجزم بشيء. فليزر الفضوليون هذا المعرض في "غاليري جانين ربيز"، الروشة الذي يستمر الى 14 تشرين الاول.
نبض