كانت تكفي رؤية ميشال عون وسمير جعجع معاً، متّفقين، لتشكّل سابقة ومطلباً مسيحياً. في 2 حزيران 2015، كان "إعلان النيات" بين "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" من الرابية. تجربة سنة مرّت على الاتفاق وطرفيه، وقد استأثر بحيّز كبير من التحليلات والتأويلات، خصوصاً في الشهر الأخير.
لا يمكن الإنكار أن للاعلان إيجابيات كثيرة، فمجرد الاتفاق بين الطرفين كان حلماً عند المسيحيين، ويكفيه أنه محا الحقد والضغينة والخلافات والتباعد بين الطرفين وقواعدهما الشعبية. لم يكن من أمر واحد مشترك بينهما داخلياً ولا خارجياً، وكان "الاتكال" على الخلاف العميق بين الطرفين المسيحيين ليتم التعامل بازدواجية مع القيادات المسيحية. فكان الاتفاق في ذاته خارجاً عن إرادة الجميع، ما عدا المسيحيين، مما أثر على المعادلة المسيحية.
حكي الكثير عن أن هذا الاتفاق لن يدوم، والـ18 بنداً التي تضمنها الاعلان اعتبرها البعض بمثابة إنشاء، لكنه تطور الى أن توصلا الى قرار مشترك في الجلسات التشريعية والمطالبة بقوانين موحدة، كاستعادة الجنسية واللامركزية الإدارية الموسعة.
كذلك أوصل الاتفاق الى تحالف رئاسي في 18 كانون الثاني، على رغم كل العوامل التي أدّت الى هذه الخطوة، لكن يكفي ما قاله جعجع في مقابلة أول من أمس لبرنامج "بموضوعية"، أنه مع العماد عون حتى النهاية رئاسياً.
أما لناحية الانتخابات البلدية، وتحالفهما بغض النظر عن نتيجة بعضها، فلم تتم قراءة التلاحم الذي حصل بين القواعد الشعبية للحزبين، والتي تخطّت القيادات أحياناً، مما يؤسس لمعارك نيابية سياسية وفق ماكينة مشتركة ورؤية موحدة لأي استحقاق.
وفي نظر مؤيديه أنه فرض على طاولة المجتمع السياسي ككل أجندة لم تكن موجودة، وهي وفق أي قانون ستجرى الانتخابات النيابية؟ إذ إن الهدف المقبل طور النقاش بين "التيار" و"القوات"، وهو قانون الانتخاب لتحسين الوضع المسيحي وتحصينه، وبالتالي نقل المسيحيين من مرحلة الى أخرى لم تكن قائمة قبل عام 1990 في الممارسة فقط، وليس المسّ باتفاق الطائف.
مع ذلك، سنة من عمر "الاعلان" شابتها ثغرات متعددة. يكفي أن يعلن محازبون من الطرفين أن حملة دعائية رافقته، ركيزتها أن الفريقين اللدودين تصالحا ثم تحالفا فقط، "وكأن في الأمر منّة". فهم يرون أنه "كان يمكن أن يكون التحالف أكثر تواضعاً لناحية تقدير الحجم، وأن يكون العمل في السياسة أكثر من الكلام، إذ إن الإدارة الاعلامية المضخمة له جعلت الجميع يتكتّل ضدهما، وخصوصاً أن شهوة كبيرة ومستعجلة ظهرت بغية الحصول على مكتسبات سياسية سريعة"، من دون البناء الحقيقي على القاسم المشترك الذي تم توقيع "الاعلان" على أساسه، وهو صحة التمثيل وإعادة التوازن الوطني، فبدا الأمر كأن ثمة محاولات إقصاء من الطرفين لجميع المسيحيين الآخرين. علماً أن المصالحة المسيحية أيّدها المسيحيون، لكن تأييد التفاهم او التحالف الثنائي كان نسبياً، في الوقت الذي يجب ان تكون المصالحة مسلمة وفوق الصراعات الحزبية.
حتى على صعيد العلاقة بينهما، يرى محازبون ومناصرون أنها يجب أن تكون أكثر تنظيماً، وكذلك على صعيد كل حزب على حدة. إذ ثمة حالات في كلا الحزبين ما زالت غير مؤيدة للاتفاق، فيما اعتقدت قيادات الحزبين ان الوقت يعالج الرفض، لكن تبين ان المعالجة من رأس الهرم ضرورية للملمة الوضع واستيعاب أكبر لفكرة التفاهم، على رغم أن القسم الأكبر من القواعد بدا متلاحماً.
وإذا كانت "المعارك" هي التي يريدها المواطنون، فبالطبع ليست فقط سياسية ومجرد أرقام تحدد الأحجام، لكن ثمة قضايا حياتية واجتماعية تخصّ المجتمع والمواطنين تناساها الحزبان كما بقية الاحزاب، اذ ان الجميع يختلفون ويتحالفون من دون العودة الى قرار الشعب، وتبيّن ان هذه الأحزاب "تبيع" المواطنين مضموناً فارغاً من دون الاهتمام الفعلي والمحاربة الجدية لقضايا المواطنين.
في المحصلة، على رغم النواقص والثغرات التي شابت تجربة عمرها سنة من التفاهم وسيعمل على معالجتها في المرحلة المقبلة، لا يمكن الانكار أن ما حققه الثنائي، مسيحياً ووطنياً، أمر مهمّ.
[email protected]
Twitter: @aline_farah
الأكثر قراءة
أبرز 5 أخبار حتى الساعة الخامسة بتوقيت بيروت من "النهار".
نبض