الملحق

المزيد من عناوين الملحق

جديد الأخبار

المزيد من الأخبار
  1. 1
  2. 2
  3. 3
  4. 4
  5. 5
المزيد من الأخبار

ما هو القانون الانتخابي الأفضل للبنان في رأيك؟

جاري التصويت...

الأعداد السابقة

الملحق

سيرة الضاحك والباكي وبينهما الحائر


لوحه لحسين ماضي.

لوحه لحسين ماضي.
إقرأ هذا الخبر على موقع النّهار: http://newspaper.annahar.com/article/295123

عصفور 1

العصفور حجة الله على أرضه. هو الكائن الصغير الجميل ذو الهندسة التي لا توصف وذو الصوت الذي كأنه البيانو. بسلالم كثيرة. العصفور ابن الموسيقى الوحيد حين تتحرك حنجرته ويخرج من منقاره زقزقة بألف صوت دفعة واحدة تصغي وتقول: أية أوركسترا ركبها الله في منقار طائر. وغالباً ما يقترن الأبله بالعصافير. لكن أغرب ما فيه أنه لا يبالي. فإذا اندلعت الحرب وطارت الطائرات وقصفت المدافع، واشتعلت الأرض والسماء، فإنه يختار حجراً يحطّ عليه ويغنّي، أو يختار غصناً لم يحترق بعد ليرتجل وهو واقف عليه أناشيده السريعة السرمدية. والعصفور هذا برغم لطفه وخفة ظله، وضآلة لحمه وبرق عظمه، تجد بين الناس من يوجّه إليه بندقيةـ ويطلق عليه النار ويقتله، أو يمسك به ويذبحه من الوريد إلى الوريد، ثم يشويه على النار ويأكله. يعذّبه هذا العذاب المضاعف بهدوء، ولا يرفّ له جفن واحد.
■■■

عصفور 2
كان الرجل الذي يدرّسنا الحساب في قرية نائية بطيئاً معروقاً ويكره العصافير. عاش هناك بلا زوجة في منزله ولا أولاد. لكنه أحب على طريقته تلميذته ذات العينين الخضراوين والشعر الذهب. أدمن الشراب وكان حين يدخل إلى الصف يحمل معه قنينة يضعها في الدرج، وينظر إلى عينَي تلميذته الصبية. يشرب ويأكل منهما اللوز الأخضر. هكذا كان يقول. وكان فيلسوفاً يحلو له الشراب أكثر ما يحلو، على المقابر. ينتظر أن يموت أحد في القرية فيحمل كأسه وقنينته وشيئاً من اللوز الأخضر، ويمضي إلى تلة مشرفة على المقبرة، يجلس تحت شجرة، ويشرب وهو ينظر إلى الناس يحفرون القبر. ووقف حينئذٍ على غصن الشجرة عصفور نفض جناحيه وتلفّت يمنةً ويسرة ثم زرق في قلب الكأس الطافحة فاعتكرت خمرة الأستاذ واعتكر مزاجه. وإمعاناً في النكاية رفع كأسه الطافحة المعتكرة نحو السماء وأفرغها في جوفه دفعة واحدة.
مات الأستاذ بعد ذلك ودُفن تحت الشجرة نفسها. حيث ما زال يدفن الموتى وتزرق العصافير.
■■■

عصفور 3
ربط الولد الصغير العصفور الذي أحضره له والده ليسرّ به قلبه، بخيط وثبّت طرفه قرب النافذة. وكان العصفور كلما حاول أن يطير ويخرج إلى الفضاء شدّه الخيط إلى مربطه وأعاده إلى سجنه. شاء الولد أن يكون العصفور بين يديه كاللعبة، يلهو بها كلما فرغ من درسه. ذات يوم، أغلق الولد النافذة الزجاجية وجلس يراقب العصفور وهو يطير ويحاول أن يخرج إلى الفضاء، فيرتطم رأسه وجسمه الصغير بالزجاج، فيرتدّ ويحاول مرةً أخرى وثانية وثالثة حتى سال الدم من رأسه، فتكفّن بريشه الملوّن الملوث بالدم، وارتمى على أرض الغرفة ومات.
كتبتُ في مفكرتي: هنا يرقد ابن أخي شهيد الحرية.
■■■

عصفور 4
قال لي العصفور الذي كان معي في السجن، في زنزانة مظلمة لا يدخل إليها الضوء إلا من خلال ثقب في السقف بحجم جسم عصفور: ليس لنا سوى أن نخرج من هذا الثقب إذا أردنا النجاة.
قال ذلك ثم حلّق بجسمه الصغير وريشه الليّن اللماع، وعبر الثفب وهو يرفّ بجناحيه... ونجا. أما أنا فقد أرسلتُ وراءه نظري. وقعدتُ في الزاوية المظلمة لأكتب في الهواء هذه القصيدة الصغيرة.

■■■

عصفور 5
قال لي عصفور حكيم: هل ثمة أفصح من ديك يصيح على أجمة؟ دالية تمدّ أغصانها بارتياح؟ نهيق حمار لا يبالي؟ غصن يتمايل أمام الشمس؟ صوت في الريح؟ صخرة في ماء؟ فلماذا إذن تلبس نظّارتيك السوداوين؟ قال ذلك وهو يمسح من عينيه الصغيرتين المدوّرتين ما يشبه الدموع. وأضاف: لماذا إذن لا نفرح؟

■■■

عصفور 6
العصفور نفسه عبر أمام جمالك محدودباً.

■■■

عصفور 7
يدخل عليكِ في أحلك ساعات الظلمة، وفي سطوع الضوء أو عند الفجر إذا شاء، وأنتِ عارية وما من أحد يرى عريكِ إلاّ ومات. وحده يدخل عليكِ وأنِت هكذا وبلا استئذان: العصفور يجلس على نهدكِ إذا شاء أو على أنفكِ أو على السرّة أو يتمرغ حيث لا أحد هناك في الدغل الأسود الجميل، يمنعه من ذلك. أنتِ لا تدعينه ولكنه من تلقاء نفسه يدخل، يتسلل كالضوء من النافذة، يتسلّق سلّم الخطر ويغامر ويربح الجائزة.
■■■

صورة الطائر الذي لم يوجد قط 8
تطلب مني يا اّفرين أن ارسم لك صورة الطائر الذي لم يوجد قط. حسناً سأقعل. ولن أخرج إلى غابة أو مكان. سأفرش على أرض الغرفة ورقة بيضاء كبيرة. وأتركها بيضاء، وأقول لك: هذا هو الطائر.
وحين تقول لي: إنني لا أراه أقول لك إنه على الشجرة.
وتسألني أين الشجرة؟ أجيبك قرب المنزل.
- أين المنزل؟
- خلف التلة.
- أين التلة؟
- التلة كبيرة لا تتسع لها الورقة.
أقول لك يا اّفرين إن ثمة نقطة سوداء غير مرئية على اللوحة. حين تنظر إليها وتسألني ما هي؟ أقول لك هي أنا. وأنا هو الطائر.
■■■

طائر رامبرانت طاغور 9
قال رسول حمزاتوف: رأيتُ في كلكوتا في بيت رامبرانت طاغور العظيم طائراً مرسوماً. هذا الطائر ليس موجوداً على الأرض ولم يوجد عليها إطلاقاً. إنه ولد وعاش في نفس طاغور. إنه ثمرة خياله. لكن، طبعاً، لو لم ير طاغور أبداً طيوراً حقيقية، طيوراً على هذه الأرض، لما استطاع أن يخلق صورة طائره البديع.

قرّاء النهار يتصفّحون الآن

  1. 1
  2. 2
  3. 3
  4. 4
  5. 5
المزيد من الأخبار

يلفت موقع النهار الألكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.