الملحق

المزيد من عناوين الملحق

جديد الأخبار

المزيد من الأخبار
  1. 1
  2. 2
  3. 3
  4. 4
  5. 5
المزيد من الأخبار

ما هو القانون الانتخابي الأفضل للبنان في رأيك؟

جاري التصويت...

الأعداد السابقة

الملحق

رسالة وداعية من الملحق الثقافي... في سفارة أحلامنا


لوحة لجميل ملاعب.

لوحة لجميل ملاعب.
إقرأ هذا الخبر على موقع النّهار: http://newspaper.annahar.com/article/295119

في عالم الديبلوماسية والسفارات، ثمة ملحق سياسي وآخر عسكري أو تجاري... وأحياناً، ثمة ملحق ثقافي ينقل من بلاده مخزونها في الثقافة والفنون وسائر الأنشطة غير المخابراتية.

أما في سفارة أحلامنا، فثمة ملحق ثقافي قارَبَ المغادرة بعد خدمةٍ مفعمةٍ بالتبادل المعرفي طبَعَت الحالة الحالمة على مدى عقود، على هامش قمم كوابيس شقاء العرب وتأملات سمير قصير وجواز سفر محمود درويش ولائحة طويلة من مفردات النكبة والنكسة والوحدة والصمود والتصدّي (والصدأ أيضا في أمخاخ بعض قادة شعوبنا وقد ضرب فيها عميقا).
في سفارة أحلامنا وهي، للمناسبة، على مرمى حجر –انتفاضة- من جمهورية الكوابيس تلك، أعدّ الملحق الثقافي عدّة المغادرة وحقيبة السفر وجلس عند تقاطع الذاكرة والحاضر، يكتب رسالة وداعية للمستقبل. كتب يقول:
أعزّائي، قرّاء هذه الرسالة المفتوحة على كل احتمالات القراءة أو الإهمال أو الطيّ أو الازدراء أو التدوير في زمن الزوايا القاطعة والنفايات، تحية ثقافية وبعد،
أكتب إليكم والزمن ليس زمن ثقافة. هو أقرب إلى القمامة وانبعاثاتها، وقد بات أهل الثقافة في عالم آخر، على رغم أنفهم... المسدود بفعل تراكم النفايات المعرفية غير القابلة للتدوير، بل العضوية إلى حدّ العظم في ممانعتها... أكتب إليكم مغادرا سفارةً تحجب التأشيرات إلاّ لمن أراد السفر إلى عالم لا يشبه عالمنا. أغادر كملحق ثقافي في سفارة أحلامنا ولا أغادر الأحلام في ثقافة أقلامنا. أغادر إلى التاريخ مودّعاً، وأسافر ربما إلى المستقبل عائداً. لست أدري. الآتي من الأيام قد يحمل الأحلام إلى اليقظة أو يمعن في الكوابيس سواداً. الحال أن مهمتي كملحق ثقافي تبدو مستحيلة في زمن "ثقافة" القتل والإرهاب وحربٍ كونيةٍ من نوعٍ آخر. في رسالتي الوداعية هذه، أكتب إلى حفنة من الناس لا تزال تقرأ. أكتب إلى رفاق "الملحق" الذاهب إلى التقاعد المبكر. أكتب إلى عقلكم وقلبكم في آن واحد، وغالباً ما لا يلتقي الإثنان على وئام. أكتب من أجل حلوِ الأيام التي جمعت يوماً، قلماً يرتكب حلماً، وعيوناً تلمع حبّاً، وأوراقاً لا يجفّ حبرها متى دخل إلى القلب كلمات. سأحاول ألاّ أكون وجدانياً على الرغم من عاطفية المناسبة، فأصحابي من مناصري المنطق الحديدي يعتقدون أن لا جدوى من الوجدانية. سأجاريهم حضيض الواقعية للحظات...
أنا أنتمي إلى جمهورية الأحلام. انتمائي لها عزّزه نقيضها: كوابيس واقعنا المزري. أنا أنتمي إلى تلك الجمهورية التي كان يمكن أن يكون على رأسها يوماً المؤرّخ جواد بولس، أو أن يترأس حكومتها المفكّر منح الصلح، مثلاً. حاربها كثيرون وما زالوا، إذ رأوا فيها نواةً إلغائيةً لمزرعة جهلهم وفسادهم، وبديلاً من عقم أفكارهم. دخلتُ الجمهورية ملحقاً ثقافياً وكانت لي محطات دورية أنقل فيها مخزوناً من الجمال والنقد. أرسلني إلى السفارة، ملحقاً، كبيرٌ في عالم الثقافة العابرة للأقطار إسمه غسّان تويني. تعلّمتُ عليه. كبرتُ معه وأكملتُ أحرث وأحرس ما زرع ورعى. ضربنا سوء الأيام مراراً. تحدّانا زمن الحرب تكراراً وصمدنا. جرحُ جبران فينا الذي لا يندمل، ضخّ حبراً في شراييننا واستمررنا... أنا أنتمي إلى جمهورية الأحلام في يقظة الأيام الصعبة. أنتمي إلى فلسطين الجريحة التي بات نزفها نهراً من الغضب الذي لا ينتهي ولن ينتهي. أنتمي إلى العراق وقد باتت حضارة ما بين نهريه أنهراً من الدماء من أجل أنهر أخرى جوفية سوداء. أنتمي إلى سوريا التي تدور عليها حرب كونية وتبكي تَدمُر والأمهات أبرياءً وتاريخاً وحاضراً. أنتمي إلى اليمن وليبيا والصومال، أنتمي إلى كل مطرحٍ عاث فيه الجهل والتطرّف الأعمى فساداً وقتلاً وتدميراً. أنتمي إلى تونس الخضراء الخارجة إلى الحرية تغنّي، وأنتمي إلى عالم عربي أرادوا له أن يغرق في حروبه وجهله ووَهَنه. أما في جمهورية أحلامنا، فعالمٌ عربيّ واثقٌ من قدراته، قويٌّ بعناصره الشابة الطموحة، يخبر قصّة التحوّل من الجاهلية إلى النهضة ومن الجمل إلى القلم والعقل ومآثر ابن سينا...
أما بعد، فعودٌ إلى لبنان، حيث سفارة الأحلام. إلى لبنان، حيث الملحق الثقافي في تلك السفارة. إلى لبنان، حيث الثقافة تعاني بقدر ما تعاني ربّة المنزل في سبيل خبزٍ يومي. هنا، حيث للثقافة عنوان ومنازل كثيرة، جعلتها عاصية على التقوقع الطائفي وأرفع من دنس الزبائنية، تقف الحالة الثقافية اليوم مودِّعةً ملحقا وباكيةً ساحةً ومساحةً، غاضبةً، منتفضةً، وإنما مرفوعة الرأس بمقاوميها! نعم، في زوايا "الملحق" ومنابره، في عناوينه والتفاصيل، في حبره والقلم، ثمة مقاومون حملوا، على طريقتهم، بسلاحهم الذي هو فكرٌ وقلم، وبممانعتهم التي هي مضادّ للدروع، حملوا قضية الثقافة ودافعوا عنها حتى آخر نقطة حبرٍ في شرايين أقلامهم والحناجر. أنحني أمامهم تماما كما أنحني أمام مقاومي الاحتلال الاسرائيلي من بني قومي. أنحني أمام عظمة الكلمة وأمام فعل الممانعة...
أما خارج "الملحق"، فالأمر مختلف. خارج "الملحق"، سربٌ من أكلة الجبنة وآخر من مصّاصي الدماء وآخر أيضاً من قطّاع الطرق وممتهني المراهنة وصراع الديوك. خارج "الملحق"، ثمة من يتقن ثقافة من نوع آخر: ثقافة المال ولو حراماً، وثقافة الحرام الوقح جهاراً. ثقافة الإجهاز على الثقافة والمثقفين لأنهم يقضّون مضاجع الفاسدين، فكراً ومالاً وأخلاقاً. تكتّلٌ هائل من أصحاب المصالح في مواجهة تقهقر واضح لدى أهل الثقافة، لا لشيء إلا لأن هؤلاء لا يتقنون لعبة تلك المصالح، بل تقف قدرتهم المعرفية عند حدودٍ أخلاقية لا تتناسب مع أزمنتنا الرديئة.
خارج "الملحق" أيضاً، ومن خارج السرب ولا سراب، ثمة حالة شبابية تنظر بعينٍ نقدية. تراقب. تحلّل. تقارن. تحاول أن تفهم. تودّ أن تقول، حتى لمَن صمّ أذنيه، أن حتمية البيولوجيا ومسار التاريخ لا يتركان أمّةً على حال لاعني أيامها الآتية. حالة شبابية فهمت باكراً أن السياسة ثقافة والاقتصاد والاجتماع كذلك، وأن خياراتنا الثقافية تحكم مختلف أوجه وضعنا ودينامياته عموما. ولأن الأمر كذلك، فإن الاختباء، تبريراً، وراء العولمة أو المعركة أو الجدوى، إنما يبقى كالشجرة التي يُراد لها أن تخفي الغابة!
إلى هؤلاء الشباب، المتهمين زوراً بانتمائهم إلى العصر الرقمي فقط، أودّ أن أتوجّه خاتماً رسالتي الوداعية، لأقول لهم:
في منظومة الأنماط، يريد البعض أن يصوّر فئة الشباب كأنها على هامش الثقافة. كأنّ الأخيرة هي حكرٌ على الزمن الجميل أيام الأسود والأبيض ومقاهي المسرحيين قبل منع التدخين و"جرنال" جدّي يتأبطه بين جولتَي "محبوسة". لا تستمعوا إلى هؤلاء. هم يريدون لعقارب الثقافة أن يتوقّف دورانها عند قوافي شعر أو ضربة ريشة، فيما هي عابرة للأزمنة، تختلف في شكلها ومضمونها وتبقى واحدة في تعبيرها عن الناس وأحوالهم، عن أهوائهم، عن إبداعاتهم، عن إنسانيتهم، عن أحلامهم، ولا تنتهي الحكاية. في كلّ ما تقدّم، أين شباب لبنان؟ أليسوا في مسارحهم ومنابرهم ومطارحهم كلّها، على الرغم من ضيق المساحة العامة؟ أليس "الحراك" ثقافة؟ أليست المطالبة بالحقوق الدنيا ثقافة؟ أليست مكافحة العنف الأسري ثقافة؟ أليس معرضٌ هنا وكتابٌ هناك ثقافة؟ ثم، أليس "تويتر" و"فايسبوك" وسواها من شبكات التواصل، أدوات ثقافية من نوع آخر مستجدّ؟ أنا الملحق الثقافي في سفارة أحلامنا أقول لكم ولكُنّ إن زمني وزمنكم يتقاطعان ويلتقيان عند كل تعبير إبداعي عن المدى الإنساني لدى كلّ منّا. وحدها الوسيلة تغيّرت. الناس في إبداعاتهم وفي مشاعرهم وفي انتفاضاتهم سيستمرّون يكتبون ويفكّرون ويرسمون ويعبّرون بشتّى الأشكال، وإنما على أثيرٍ رقمي بدل الورق، بتغريدةٍ أو غيمةٍ أو سواها من أشكال النشر التي لا نعرفها بعد اليوم. البعض يفتقد ربما رائحة الأخير ولمسته، لكن ما هكذا يتحرّك مسار التاريخ...
أعزّائي، أغادر متقاعداً قسراً، كملحق ثقافي، وأستمرّ في دولة أحلامنا مناضلاً، هنا وهناك، عبر كلّ قلم وكل شاشة وكل عين وكل لسان وكل أذن. أستمرّ بوسائل أخرى أحاكي العقل فيكم والقلب والوجدان. وإلى رفيقي في "الملحقية" وفي سفارة الأحلام، إلى عقل العويط، تحية... وبعد...

قرّاء النهار يتصفّحون الآن

  1. 1
  2. 2
  3. 3
  4. 4
  5. 5
المزيد من الأخبار

يلفت موقع النهار الألكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.