لا مخارج تلوح في الافق على المدى المنظور لمجموعة الازمات التي تعصف بالمنطقة. فالزمن الان هو زمن "العواصف" التي تهب من اليمن الى العراق الى سوريا حتى جرود عرسال، يعاد رسم الحدود بالدم. ومع رسم الحدود الجديدة قد تتبدل التحالفات تحت الحاح تحقيق الانجازات والمكاسب على الارض.
وفي هذا السياق لا يمكن الا التوقف عند التطورات الميدانية في سوريا، ولا سيما منها التسليم الاميركي بدور "جبهة النصرة" التابعة لتنظيم "القاعدة" رأس حربة في الهجمات المتجددة شمالا وجنوبا، من غير ان يثير ذلك ادنى اعتراض أو خوف مما يمكن ان يجر اليه سيطرة "النصرة" او بالاحرى "القاعدة" على اجزاء واسعة من سوريا.
وفي ذلك تبدل في الموقف الاميركي الذي كان يخشى في بدايات الحرب السورية ان تصل اسلحته المتطورة الى ايدي "القاعدة" خوفا من استخدامها ضد اهداف اميركية او ضد اهداف غربية عموما. يبدو اليوم ان واشنطن تأخذ بالتطمينات التي تزعم ان "النصرة" في طريقها لفك ارتباطها بـ"القاعدة" وانها مستعدة لتبني اجندة سورية محضة بعيدا من هدف الجهاد العالمي.
لكن غض النظر الاميركي عن "النصرة" ليس هذا منطلقه، إنما العودة الى سياسات الثمانينات التي تلت التدخل العسكري السوفياتي في افغانستان. وقتذاك نشأ تحالف بين الولايات المتحدة ودول الخليج العربية ومصر والجهاديين الافغان بغية محاربة السوفيات واخراجهم من افغانستان من دون التفكير مليا بما سيحدث في اليوم التالي لخروج الجيش الاحمر من هذا البلد. ومن بعد خروج السوفيات واقتحام الفصائل الجهادية كابول، كانت "طالبان" ثم "القاعدة" ثم 11 ايلول 2001.
اليوم تتكرر التجربة في سوريا. دول الخليج وتركيا والولايات المتحدة لا ترى سبيلا لاسقاط النظام السوري سوى الاستعانة بـ"القاعدة" وربما غدا بالتنسيق مع "داعش"، ولكن ماذا سيحصل بعد تمكين الجهاديين من السيطرة على سوريا، فهذا لا تستطيع لا اميركا ولا تركيا ولا دول الخليج و"عواصفها" التنبؤ به.
وبعد تدمير سوريا وتحويلها "امارات" جهادية، لن يكون في الامكان التحكم بحدود هذه الامارات وبسلوكها. والاستنتاج البديهي ان هذا السيناريو لن يقتصر على سوريا وحدها، ولا احد يملك الحصانة في مواجهته. وحتى المهادنون اليوم سيجدون انفسهم في هذه الورطة غدا. واذا كانت افغانستان انتجت 11 ايلول، فإن سوريا ستنتج ما هو أشد وأدهى، ناهيك باليمن والعراق.
وماذا يمكن ان ينتج من هذا الخراب الذي تمر به "العواصف"، غير خراب أفظع وموت لا قيامة من بعده؟!
نبض