باريس سان جيرمان يرفض تنفيذ طلبات مبابي

حبيبتنا الدولة المدنية!
Smaller Bigger

13 نيسان 1975 – 13 نيسان 2015. أربعون عاماً مرّت، وليس في هذه الحياة اللبنانية ما يومئ إلى الاتعاظ. لا مئات الألوف من القتلى والمعوقين والمفقودين والمهجَّرين والمهاجرين والنازحين والبؤساء والموجوعين، ولا الأعداد المؤلفة من المعطوبين نفسياً وقيمياً، استطاعوا أن يدفعوا في اتجاه تغيير حرفٍ واحد من جوهر واقع الحال. الحرب التي بدأت آنذاك، كانت بدأت قبل ذلك التاريخ. والحرب التي أُوقِفت "قسراً"، يوم أُوقِفت، لا تزال سارية المفعول، حتى اللحظة، وإلى آجال غير معلومة، بأناس وأشكال وأدوات ومفاهيم، مستولدة ومتجددة على الدوام. أتكون هذه البلاد منذورة للحروب والمقابر المفتوحة الدائمة؟ أتكون أرضاً ملعونة؟ أيكون الناس المنضوون فيها هم أيضاً ملعونين؟


كانت الدولة، بما هي نظام ومؤسسات، مشروعاً قابلاً للعيش والتطوّر والصيرورة. وكان الانتقال بهذه البلاد المتكوّنة من جماعات طائفية ومذهبية وعشائرية ومناطقية، ومن مجموعات وأفراد آخرين، يؤمنون بدولة الحق والقانون، مشروعاً ممكناً، بطيء الخطى، لكنْ متحرّكاً ودينامياً وقابلاً للعقلنة.
لماذا لم يحصل ذلك؟ لماذا انقطع حبل الحكمة والعقل الذي كان يصل أطراف النسيج المجتمعي المدني، بعضهم ببعض، ففرّقهم أيدي سبأ، وجعل الكلمة الأولى والأخيرة للعنف والسلاح والاقتتال والذبح والتشرذم والقطيعة؟
لستُ في وارد البحث في أسباب الحرب اللبنانية، بل فقط في ظواهر استشراء روحها، وتجذّر هذه الروح في حياة الجماعات اللبنانية، تجذّراً يحول دون قيام بدائل نوعية للعيش والتواصل، منتظمة ضمن معايير الحدّ الأدنى من مفهوم الدولة، بما يحمي هذه المعايير، ويعتبرها خطاً لا يعقل تجاوزه في أيّ حالٍ من الأحوال.
كيف لا يستطيع اللبنانيون أن ينتظموا في دولة؟ كيف يستولي عليهم العماء استيلاءً يجعلهم يتجاسرون على بيع الدولة بقشرة بصل، كلٌّ من أجل مصالحه، وانفعالاته، وغرائزه، وتصوّراته الفانتسمية العقيمة والمهلوِسة؟ الموارنة والمسيحيون تجاسروا على الدولة. الدروز تجاسروا على الدولة. السنّة تجاسروا على الدولة. الشيعة يتجاسرون على الدولة. لا أحد على الإطلاق إلاّ جرّب، ولا يزال يجرّب، كأس هذا التجاسر. أيعقل أن نظلّ ندور في هذه الدوّامة الوجودية القاتلة؟!
في أحد الأيام، وضع الشاعر الكبير محمد العبدالله كتاباً فذّاً، جعل له عنواناً مثيراً، "حبيبتي الدولة". ألا يمكننا أن نضع كتاباً مدنياً لبنانياً عنوانه "حبيبتنا الدولة"، يتضمن قوانين ومعايير بديهية، ويكون بمثابة مانيفست يُعمَّم على المدارس والمؤسسات التربوية، بل يصير جزءاً لا يتجزأ من امتحانات التلامذة والطلاب، للحصول على أيّ شهادة، أو وظيفة، خاصة وعامة؟
نحن ناسٌ مرضى بأنفسنا، وبذواتنا. تبدأ الدنيا بنا، وتنتهي بنا. أنا أبصق في الشارع، لأن الشارع ليس بيت(ي). هل أبصق في بيت(ي)، على الكنبة، أو على الطاولة، أو على الأرض؟
سؤال: ترى، هل مَن يريد، في قرارة نفسه، أن يخضع حقاً لقانون السير الجديد، بصرف النظر عن سلبيات هذا القانون وإيجابياته؟ لا أحد تقريباً (أقول تقريباً: منعاً للتعميم). كلّنا ممتعضون، لسببٍ أو لآخر. كلّنا لا نريد قانوناً، لا للسير ولا لسواه. كلّنا نريد أن نكون في أرضٍ مشاع، لا في دولة القانون والنظام. كلّنا نريد أن نتهرّب من الضريبة. كلّنا نريد أن نتحايل على القانون. كلّنا نريد أن نسرق الدولة.
كلّنا، أعني تقريباً، منعاً للتعميم.
الدولة، عملياً، هي العدوّ، الذي يجب أن ننتصر عليه. الدولة ليست السقف، ولا الملجأ، ولا الحصن، ولا المأوى. الدولة ليست الحبيبة. متى نجعل الدولة سقفنا وملجأنا وحصننا ومأوانا؟ متى نجعل الدولة حبيبتنا؟!
* * *


الأهل مرضى. الأبناء مرضى. مَن يداوي مَن؟! مَن يشفي مَن؟! كيف نستطيع أن نضع حدّاً لمرض العدوان الذي تتعرض له الدولة؟
في الظاهر، نبدو جميعنا (تقريباً) دولتيين وقانونيين. لكننا، عندما تحزّ المحزوزية، جميعنا (تقريباً) نجلد الدولة والقانون، ننحرهما، وننحاز ضدّهما. "إنجيل" اللبنانيين و"قرآنهم"، في حياتهم العامة: "يا ربّي، نفسي"، و"من بعد حماري، لا ينبت حشيش". أصرخ في أعماقي وعلى الملأ، مستنجداً: مَن يخلّصنا من هذَين "الإنجيل" و"القرآن"؟
منذ أربعين عاماً، بل منذ أكثر، ونحن نقاتل الدولة، ونزرع الموت، والفساد، والنهب، والفوضى، والرعب، والانحلال، والاهتراء، والهمجية. ألم يكفِ ما نحن فيه؟
في المقابل، ثمة مَن هم يتامى الدولة، وجنودها المدنيون. هؤلاء يريدون هذه الدولة بأيّ ثمن. يريدون هذه الدولة، فقط لا غير. وحدها هذه الدولة هي لهم الأمّ، والأب، والجنين، والابن، والابنة، والحفيد، والحفيدة. وحدها هي لهم الخلاص.
تحية إلى هيئات المجتمع المدني. تحية إلى الأفراد المدنيين، المعلومين والمجهولين. تحية إلى الذين يحترمون القانون، وينفّذون بنوده، ويؤدّون واجباتهم تجاه الدولة... وإن ذهبتْ هذه الواجبات هباءً، أو في أيدي السرّاق.
اخترِعوا سبلاً خلاّقة للتسلل إلى قلب هذا المجتمع "المريض". لا تتركوا احتمالاً. ولا مستحيلاً. تكاثروا. انجِبوا. فتِّشوا. احفروا. كافِحوا. لا بدّ أن يأتي اليوم الذي تبزغ فيه شمس الدولة، وتصبحون أيها المدنيون التاج الذي يكلّل رأسها، ويعيد الكرامة إليها.
* * * 


سأفترض جدلاً أن الطبقة السياسية اللبنانية ليست هي المسؤولة عن انهيار الدولة. سأفترض أيضاً أن الجماعات الدينية، الطائفية والمذهبية، ليست هي المسؤولة. عال. مَن المسؤول إذاً؟ سأتجاوز هذه المسألة، إلى السؤال – الامتحان الآتي: ما الذي يمنع الطبقة السياسية اللبنانية، بأحزابها وتياراتها وهيئاتها وعشائرها وعائلاتها؛ وما الذي يمنع السلطات الطائفية والمذهبية، من أن تأمر محازبيها ومؤمنيها والمنخرطين في مؤسساتها، أمراً صريحاً، بلزوم دفع الضرائب، وتطبيق القانون، من دون قيد أو شرط؟ والآن؟
الحزبيون والمحازبون، سرّاً وعلناً، يمثّلون، موضوعياً وتقنياً، أكثرية الشعب اللبناني. كذا يقال عن المنخرطين في الأديان والمذاهب. الدليل الساطع على هذا القول، أن هذه الأحزاب والتيارات هي التي تفوز في الانتخابات. الاستنتاج نفسه ينطبق على المتدينين والمؤمنين، بدليل أن من النادر أن يفوز أحد العلمانيين أو المدنيين ممّن يعلن جهاراً علمانيته أو مدنيته.
والحال هذه، تقع مسؤولية تطبيق القانون على هؤلاء. لكن القانون لا يُطبَّق، عملياً وتقنياً. لهذا السبب، الدولة في حالٍ من الانهيار. إذا كانت الطبقة السياسية والمؤسسات الدينية تريد الدولة حقاً، فهكذا تحصل على الدولة. وهكذا تنقذها. ما عدا ذلك، هراء بهراء.
الاستنتاج: يجب التشهير القاسي والفظّ بهذه الطبقة السياسية، أحزاباً وتيارات وهيئات، لأنها هي المسؤولة عن عدم تطبيق القانون. هي المسؤولة عن انهيار الدولة. وكذا يجب القول عن مسؤولية المؤسسات الدينية.
ممنوع الاختباء وراء الأصابع. ممنوع منعاً باتاً.
تحية ثانية، إلى هيئات المجتمع المدني، وإلى الأفراد المدنيين. تحية إلى أبناء القانون. يجب أن تجترحوا دواءً لهذا المرض، مرض العداء للدولة المدنية والقانون!
* * *


تريدون الدولة؟ انتخبوا رئيسها. الآن. هلّق. لكن، ثمة مَن لا يريد انتخاب رئيس. فعلى مَن تلقي مزاميرك يا ابن داوود؟!
* * *


في زمن انهيار الدولة العربية، ثمّة في لبنان مَن لا يزال يؤمن بأن لا خلاص للبنان إلاّ بالدولة المدنية الديموقراطية. تحية إلى المعلومين والمجهولين من بين هؤلاء. بمثل هؤلاء، يظلّ الأمل قادراً على الوقوف في وجه الزلازل والانهيارات. سلامي إلى هيئات المجتمع المدني، وسلامي إلى المغامرين المقامرين الأحرار، "مرضى" حبيبتنا الدولة المدنية!


[email protected]

الأكثر قراءة

ثقافة 10/9/2026 5:11:00 AM
لا سبيل إلى إنقاذ الموقوف في معمل البصل إلا بالوصول إليه قبل الإنطلاق به إلى دمشق
الولايات المتحدة 10/9/2026 10:43:00 PM
عيّن ترامب كاتي زكاريا متحدثة باسم البيت الأبيض خلفاً لكارولين ليفيت. وهي معلّقة سياسية محافظة ومتحدثة سابقة باسم وزارة الأمن الداخلي.
لبنان 10/10/2026 12:00:00 AM
الحدث الخطير الذي طغى على مجمل المشهد الداخلي تمثّل في كشف مصدر أمني لبناني عن ضبط 800 كيلوغرام من المتفجرات في سيارة على حاجز الأمن الداخلي في ضهر البيدر، مشيراً إلى أن الأمن الداخلي ضبط المتفجرات مع عنصرين ينتميان إلى "حزب الله"، هما "ع-ش-ك" و"ه-أ-أ".
فن ومشاهير 10/9/2026 9:50:00 AM
اتفقت الكاتبتان وشركة الإنتاج على إنهاء التعاون بينهما.