يا أم عيسى المسيح في عيد الأم... السلام عليكِ في يوم بشارة الحمل بلاد دنس، وأنجبتِ مسيحاً للإنسانية جمعاء.
ولكن نتوسل اليكِ أن تسمحي لنا بأن نلقي السلام على كل أمٍ في عيد الأم... كل أم أنجبت وارضعت وربّت أولادها على الإيمان بالله وبلبنان وبكل إنسان.
نلقي السلام بإذنكِ ورضاكِ على أمي التي تعبتْ وربّت... ثم مرضت.
لك يا مريم يا سيدة النجاة وأم المخلّص... وسابق النبي أحمد... وكلكم يا أنبياء الله لم تدعوا الا الى السلام والوئام والمحبة ونبذ الخصام.
كيف ينسى أيّ إنسان أمه؟
مرّ عيد الأم علي اكثر من ثلاثين مرة... ولم أرَ نفسي في موقع الحديث عن عطاءات أم مثل هذا العام. أم ككل أم مخلصة لزوجها ولأولادها... وقبل ذلك لإيمانها.
كيف لنا أن ننسى، أنا وشقيقي، عندما كنا نعمل ونشقى وندرس حتى أنصاف الليالي... وهي على ضعفها ومرضها تقدم لنا "لفلوفات" اللبنة مع الخيار، أو مربّى المشمش مع الجبنة... ونحن ندرس للتخصص في الجامعة؟ كيف لي أن أنسى أنني ركعت عند قدميها وتوسلت إليها ألا تبكي وأنا أغادرها في أول عمل ديبلوماسي لي خارج البلاد: إلى أبيدجان؟
لم تبكِ عيناها وهي على الشرفة المطلة على السيارة التي ستقلني الى المطار، بل بكى قلبها وكنت أشعر ذلك. ولا أنسى ما قالته لي: هل تراك عيناي يا ولدي بعد اليوم؟ ولم تقطر لها دمعة في العيون، بل في قلبها.
وذلك ما حصل... لم ترني عيناها، لأنها توفاها الله قبل عودتي اليها!
هو قلب الأم الباكي، الذي رافقني في سفري وشقائي ونومي في فندق أربعة أشهر حيث لم أجد بيتا يضمني ويشفع بآلامي وفراقي للأحبة من والدة وأخ وأصدقاء وأقرباء! وصورتها – رحمها الله – لم تفارق مخيلتي ولا تخبو في ضميري. ثم جاءني خبر وفاتها بعد مرض كان يقلقني حتى الكوابيس.
وصالت الصور وجالت في مخيلتي: كيف كنت أعاملها... وكيف أهديتها في عيد الأم... وماذا أهديتها... صور كانت تمر في ذهني بحرقة تصل الى النخاع، وتولّع الكُرْه للبعد والفراق... حتى ولو كان للسعي الى مكانة أفضل.
كان رضاها بعد رضى الله هو الزاد. صحيح ان بإيماننا ان خير الزاد التقوى... لكن يا ربي، إن رضى الوالدين، وبخاصة رضى الام هو الزاد الروحي والنفسي... ومولّد الطاقة التي لا تفنى.
ها هو عيد الأم... كل أم! تلك التي أفنت حياتها تحمل بالطفل تسعة أشهر، وترضعه تسعة أخرى، وتربيه على مدى سنوات، وتساعده طيلة ايام حياتها، وحياته حتى بعد زواجه، وهي الأم التي كانت لا همّ لها إلا أولادها.
والمكان الآن هو بقدسية لا تسمح بالحديث عن أمهات غير تلك الأم المثال.
فيا أبناء هذا الكون: كل أم صالحة راعية محافظة مربية على مكارم الأخلاق هي قديسة.
هذه الأم هي أخت مريم عليها السلام ولها أفضل المقام في نفوس الأنام...
السلام عليكِ يا مريم، يا أخت هارون، والسلام على كل أم في كل عام تحفظ لك يا أم عيسى المسيح كل المحبة والاحترام.
ولا نغفل في هذا المقام أن نشارك حرقة أم استُشهد ابنها فداء للوطن ولأهله، تلك الام التي تفتقد سماع صوته يناديها: يا أمي! وتلك الأمهات التي خطف المتطرفون ابنها أو زوجها، وكذلك هذه الزوجة التي لم يمنحها الله ولدا لتسمعه ليل نهار يسليها ويخاطبها: أمي!
ولا شك عندي في ان هذه النجوى هي دعاء كل إنسان. فما من أحد إلا وله أم يسعى ليوفيها ولو قسطا من قدرها: من زملاء اخوة لي، ومن اصدقاء ومعارف، ومن كل دسكرة او منطقة في لبنان والعالم، لكل منهم أم يجب أن يحتفي بها في يوم عيدها، وأن يعمل على كسب رضاها، أو إحياء لذكراها.
نبض