ليس سهلاً على من يعمل من أجل دعم المسيحيين في الشرق الاوسط من خلال محاولة التأثير في السياسة الاميركية، أن يوفق بين المواقف المعلنة للادارة الأميركية حيال الوضع في سوريا والمطالبة المعلنة بالديموقراطية وإسقاط نظام الاسد وبين الواقع القائم. ثمة اشكالية كبيرة (Dilma) يطرحها هذا الموضوع، فغالبية مسيحيي سوريا تقف بجانب النظام ورئيسه بشار الاسد، وقسم لا يستهان به من مسيحيي لبنان ما عاد ينظر بعدائية الى الرجل الذي أحتل جيشه لبنان وحارب المسيحيين وعمل على القضاء على نفوذهم السياسي والاقتصادي والديموغرافي طيلة ثلاثة عقود واكثر. يحتاج الأمر بحسب رئيس "لجنة الدفاع عن المسيحيين في الشرق" توفيق بعقليني الى عقل بارد للتعامل مع هذا الوضع المعقد جداً والصعب.
بعد مرور أشهر على "مؤتمر دعم مسيحيي الشرق" الذي انعقد في واشنطن خلال ايلول الماضي في حضور غالبية بطاركة الكنائس الشرقية، تبدو الصورة أوضح بالنسبة الى بعقليني، والأهم بالنسبة اليه ليست كميات الادوية والحصص الغذائية التي ترسلها الولايات المتحدة الى اللاجئين، بل قرار الادارة في واشنطن بالتحرك ميدانياً في مواجهة "داعش"، وعدم ترك الاقليات عموماً والمسيحيين ضمناً لقمة سائغة في مهب آلة القتل التي تديرها الاكثريات من دون التفات الى معاناة من يختلفون عنها دينياً ومذهبياً غالب الاحيان.
يشير بعقليني الى جملة أمور حدثت وتصب في مصلحة "الدفاع عن المسيحيين والاقليات"، أولها اصدار قرار بانشاء مكتب للاقليات في الشرق معّين من الرئيس الاميركي (Special Middle East minority envoy)، وثانيها التأكيد أن هذا المكتب لا يرتبط بالاوضاع الحالية، بل هو مستمر في متابعة ملفات الاقليات. أما الخطوة الثالثة المهمة فتتمثل في تشكيل فيديرالية تضم ممّثلين للطوائف المسيحية كافة يعملون معاً على تنسيق الجهد في واشنطن ولدى الادارة الاميركية من أجل الحصول على مزيد من الدعم لمسيحيي الشرق، مما أدى في رأيه الى زيادة المساعدات وتفعيلها وصولاً الى اليوم الذي لا تعود فيه هذه المجموعات في حاجة الى الدعم.
تعمل اللجنة مع الكنائس وهيئات المجتمع المدني والمنظمات التي لا تتوخى الربح على مد المساعدات الى مسيحيي العراق، والهدف هو الحد من هجرتهم وحض الباقين على البقاء في أرضهم والعودة الى المناطق التي هجروا منها بحماية من القوى العسكرية الشرعية او قوات الامن الذاتي. أما في سوريا فالامور مختلفة بحسب بعقليني الذي يشرح أن المعارضين غير منظمين، في حين يعتبر مسيحيو سوريا ومنظومة الاقليات فيها من دروز واسماعيليين وعلويين وغيرهم أن النظام الحالي وفر لهم الحماية والطمأنينة، وتالياً لا بد من أخذ هذه العوامل في الاعتبار عند طرح اي حل سوري بشرط الا يشبه الطائف اللبناني، وأن يوفر حماية للأقليات وحقوقها ودورها السياسي والاجتماعي. يؤكد بعقليني أن الادارة الاميركية تعلن أنها لا تريد دوراً للأسد، لكن ذلك لا يعني أن لا دور للعلويين، وهذا ما ينطبق في رأيه على المسيحيين والأقليات أيضاً إذ يجب أن تتولى الدولة السورية حمايتهم جميعاً من دون حاجة الى حماية دولية أو دعم من أي نظام خارجي.
يتعاون أعضاء "لجنة الدفاع" بحسب بعقليني مع "المسيحيين الاميركيين" وخصوصاً الكاثوليك منهم على تأمين الدعم المادي والمعنوي للكنائس الشرقية التي تعلم جيداً بأحوال رعياتها واوضاعها الانسانية، وخصوصاً في سوريا والعراق. وفي رأيه أنه "لا يمكن لوم مسيحيي سوريا على مواقفهم في مواجهة المعارضة خصوصاً بعد ما تعرضوا له في معلولا ومحيطها. اما مسيحيو لبنان فلا يحتاجون الى مساعدات أنسانية بل الى مساعدة سياسية ليتجاوزوا عثراتهم خصوصاً في ملف استحقاق الرئاسة الاولى الشاغرة، ولمساعدتهم في البقاء في أرضهم والتجذر فيها اجتماعياً واقتصادياً وهذا ما يعمل الناشطون في واشنطن على تحقيقه مع عدد من المتمولين.
نبض