تكررت في مجالس السياسيين والمسؤولين أخيراً عبارة "إعلان بعبدا". وأول من أمس أعلن رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان "ان الازمة في لبنان لن تحل الا بتطبيق اعلان بعبدا". في حين أطلق النائب وليد جنبلاط، في مقابلة مع "النهار" الاسبوع الفائت، "رصاصة الرحمة"، معلناً ان تطبيق هذا الإعلان أمر مستحيل اليوم و"يجب أن ننتظر"، مؤكداً انه "يأتي في الظروف الملائمة، الاقليمية والدولية".
من يتذكر "إعلان بعبدا" بعد؟ وهل يمكن تطبيقه في الوقت الراهن؟ علماً ان الحوارات القائمة حالياً يمكن ان تشكّل جزءاً منه، باعتبار أن البند الأول فيه ركّز على "التزام نهج الحوار والتهدئة الأمنية والسياسية والإعلامية والسعي للتوافق على ثوابت وقواسم مشتركة".
وأبرز ما تضمن الاعلان الصادر إثر جلسة الحوار بتاريخ 11/6/2012، "تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية والدولية، وتجنيبه الانعكاسات السلبية للتوترات والأزمات الإقليمية، وذلك حرصاً على مصلحته العليا ووحدته الوطنية وسلمه الأهلي، عدا ما يتعلق بواجب التزام قرارات الشرعية الدوليّة والإجماع العربي والقضية الفلسطينية المحقة، بما في ذلك حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم وديارهم وعدم توطينهم. والحرص تالياً على ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانية السورية وعدم السماح بإقامة منطقة عازلة في لبنان وباستعمال لبنان مقراً أو ممراً أو منطلقاً لتهريب السلاح والمسلحين، ويبقى الحقّ في التضامن الإنساني والتعبير السياسي والإعلامي مكفولاً تحت سقف الدستور والقانون، والتزام القرارات الدوليّة، بما في ذلك القرار 1701".
هل ما زلنا فعلاً محيّدين عن سياسة المحاور؟
يعود النائب عباس هاشم الى "نشأة" الاعلان لفهمه أكثر، مؤكداً لـ"النهار" انه "نتيجة لاستعمال لبنان قاعدة لوجستية متقدمة لخدمة ضرب النظام السوري، وهذا كان سابقاً لدخول "حزب الله" الى سوريا، ما حدا النائب محمد رعد الى القول ان "هذا الاعلان ولد ميتاً ولا يستأهل قيمة الحبر الذي كتب به". وبالتالي كان مقدمة موضوعية لدخول "حزب الله" الى سوريا في شكل علني ومباشر"، وهذا يوضح ان فريق الثامن من آذار يرى الاعلان ميتاً، ولا مجال للحديث عنه أو التذكير به. في رأي هاشم ان جنبلاط نعى الاعلان، و"عندما ينعى جنبلاط "اعلان بعبدا"، يعني ان نية الحياد لا يكفي، يجب ان يُفرض الحياد على العدو الاسرائيلي وهذا ما لا طائلة لنا به".
في المقابل، يعتقد النائب عاطف مجدلاني ان الجميع يتذكّر "اعلان بعبدا"، لكن البعض يتغاضى عنه ويتناساه ولا يتذكر سياسة النأي بالنفس وضرورة الابتعاد من الحريق الذي يطاول المنطقة كلها. ويقول: "هذا الموضوع يحتم خروج "حزب الله" من سوريا، لكن صار واضحاً تماماً أن تدخّله في سوريا أتى نتيجة أمر عمليات ايراني، والموضوع ليس بيده"، مذكّراً بأن الرئيس سعد الحريري "قال ان موضوعَي تدخل "حزب الله" في سوريا وسلاحه نضعهما جانباً، ولكن نبقى نذكّر بهما، فالحل مع ايران وليس مع الحزب". لذلك لم يُدرج هذان البندان في جدول أعمال الحوار بين الحزب وتيار "المستقبل".
لا شك ان ثمة صعوبة في تطبيق "اعلان بعبدا" أو حتى في "تحريكه" الآن، فثمة حوار جار وبنود استراتيجية "حلّها بيد إيران"، وفق مجدلاني، "فلندع الموضوع جانباً الآن، وهذا لا يعني ابداً انه صار من الماضي وانه انتهى ويجب أن ننساه، ونطلق عليه رصاصة الرحمة. فالاعلان موجود، لكن ثمة استحالة حالياً لتطبيق سياسة النأي بالنفس، وعندما تحين ظروف تنفيذه سينفذ، لأن ثمة اجماعاً عليه، مع التشديد على أننا لا ننساه ومن واجبنا ان نذكّر به دائماً".
ولكن أين الحكومة من تطبيق "اعلان بعبدا" في ظل الاصرار على تطبيقه في حكومة تضم معظم المكونات السياسية، ومن ضمنهم "حزب الله" الرافض كلياً له؟ ثمة خوف ان "تطير الحكومة" فيدخل لبنان دوامة كبيرة بغياب رئيس للجمهورية، خصوصاً انها تتخبط في آلية تسيير شؤون أعمال البلد.
من هذا المنطلق كانت دعوة النائب جنبلاط الى وضع تطبيق الاعلان جانباً حالياً، والتركيز على الأمور والملفات الاجتماعية والحياتية، وتخفيف معاناة المواطنين. هذه الدعوة يضعها مفوض الاعلام في الحزب التقدمي الاشتراكي رامي الريس في اطار القراءة الواقعية للنائب جنبلاط. "فثمة ملفات كثيرة لماذا نرهق انفسنا بها وكل مفاتيح علاجها غير لبنانية، وحلها أكبر من قدراتنا ويحتاج الى توافر مناخات اقليمية ودولية، في حين ان المنطقة من حولنا كلها ملتهبة". وفي انتظار الحلول، لم لا تكون ساحة التلاقي بين اللبنانيين والعمل على حل الملفات الاجتماعية التي تؤدي الى تفعيل عمل المؤسسات، بدءاً من انتخاب رئيس للجمهورية، مع التشديد على مبدأ الرئيس التوافقي لأن الفريقين المتخاصمين لن يستطيعا انتخاب رئيس من اي منهما؟
الأكثر قراءة
انخفاض البنزين وارتفاع المازوت... كم بلغت الأسعار؟
نبض