نصرالله يُهدّد مؤسسات شمال إسرائيل الاقتصادية: ردُّنا سيكون قوياً ومؤثراً وفاعلاً

أسرار الرحيق الذي يصنع عطر الحرية
Smaller Bigger

العطر الذي يغلب قذارة المسخ والوحش


هنا، وفي العالم، لا تزال أعجوبة الحياة ممكنة. بل يجب أن تظلّ ممكنة.
من القبور الجماعية والفردية؛ من الخيبات والمرارات والأحلام المحطّمة والموؤودة؛ من القصائد التي نشّف حبرُ أصحابها، وترمّلت قبل أن تنضج كتاباتها؛ من الصرخات التي أُسكِتت وهي تستكمل أصواتها وحشرجاتها؛ من أفواه الجائعين واليتامى والأرامل؛ من هسيس الأثداء المثلومة؛ من النظرات المقطوفة قبل يناع ثمرها؛ من دوار المرميين في التيه والشرود وصحارى العدم؛ من كوابيس المسجونين والمقطوعي الرؤوس؛ من المبدَّدين في اللامكان واللازمان؛ من كلّ نبعٍ مجروح... يتصاعد عطرٌ كثيف لا نراه، ولا نرى وروده وياسمينه، لكننا نحسّ بوجوده. هو عطرٌ جوهريٌّ، سرّيٌّ، يدعونا إلى ملء رئاتنا بهواء الأمل والحرية؛ عطرٌ لا مفرَّ من الإنصات إليه. ولا جدوى من الهرب منه!
كلّ ما نشهده، في حياتنا اللبنانية والعربية، يقول بمكر هذا العطر، وبخديعته العابثة. كلّ شيءٍ يقول بانعدام هواء الأمل؛ وباستحالة الحرية.
العالم كلّه، يكاد يمسخ نفسه وحشاً. حتى لأكادني أستنتج أن لا فرق في ذلك، بين أنظمة استبدادية، أمنية، دينية، عائلية، أو أنظمة "ديموقراطية".
الأقنعة جاهزة لارتداء الوجوه، ولأداء الأدوار "المنسجمة - المتناقضة"، فوق هذا المسرح العدميّ الذي اسمه النظام الدوليّ.
لم يعد عندنا شيءٌ يُذكّر بحقوق الأفراد والشعوب والأوطان في الحياة والكرامة والحرية.
لم يعد عندنا شيءٌ ممّا نسمّيه فلسطين، أو سوريا، أو العراق، أو لبنان. فهذه أرضٌ يسلّمها العالم إلى العدم، ويمرّغها فيه، من دون أن يرفّ له جفنُ ضمير. أما ما يستبقيه لنا، هذا العالم، فنتولّى نحن إطلاق رصاصات الرحمة عليه.
العالم وحشٌ كلّه، ونحن مسوخ هذا الوحش، وأدواته وأقنعته الذليلة "الرائعة".
في غمرة هذا المشهد الكارثيّ الجامح، أحدس بما يجب أن يكون حدسنا الجمعيّ: أحدس بالعطر الذي يستدرجنا إلى هواء الأمل: ناساً كراماً؛ حقيقيين، عاديين، مجهولين، منسيين، غفلين، هم في الآن نفسه أبطالٌ، ومتمرّدون، وثوّار، وجنونيون، وحالمون، وهامشيون، وأنقياء، وفنّانون، وشعراء حقاً.
أحدس بهؤلاء، في كلّ مكان، وحيث – خصوصاً - لم يعد ثمّة مكان. هؤلاء وحدهم، يُخرجوننا من القبور والضرائح، ويصنعون لنا المستقبل، مستقبل الحياة والأمل والحرية!
فإلى هؤلاء؛ مُرصِّعي وجودنا القتيل بشبق النجوم، وبالسهر الدائم على تأجيج الجمر، في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق، وفي كلّ شتاتٍ، من صقيع العالم وجحيمه؛ يجب أن تذهب أفكارنا وأنظارنا وكتاباتنا وأحلامنا ومبادراتنا. إنهم خميرتنا القادرة على جعل الأرض المجبولة بحطب اليأس وبدموع المقابر، سهولاً للقمح والحرية.
هؤلاء؛ يجب أن ننقلهم من هامش الحدس المظنون إلى متن الواقع الملموس، ويجب أن نظهّرهم، وأن نمتصّ ضوءهم كلّه، ورحيقهم كلّه. فبمثل هذين الضوء والرحيق، نغلب ليل الوحش وقذارة مسوخه.
* * *


العطر نفسه
قبل أسبوع، فاز الروائي الفرنسي باتريك موديانو بجائزة نوبل للآداب. لم أكن أعرف شيئاً كثيراً عن هذا الكاتب قبل فوزه. الآن، يعزّز ثقتي بالأدب، ما قرأتُه عنه، وأن من جملة الأسباب التي لا بدّ أن تكون حملت الأكاديمية الأسوجية على منحه هذه الجائزة المهيبة، كونه صاحب عبارات وأفكار تمجّد الحلم ولانهائيته، وهو العطر نفسه المشار إليه آنفاً. هاكم بعض تلك الشذرات:
"ذاك الذي يكتب، يحتاج الى حماية المنطقة الغامضة، غير الشفّافة فيه. يحتاج الى عدم فهم ذاته في شكل كامل. أي إلى أن يظلّ في حالٍ وسطى بين النوم واليقظة: إذا أيقظناه، جازفنا بإلغاء ما يستفزّه على الكتابة...
"مهما فعلنا، فلن نعرف يوماً الهناء والراحة اللذين تتمتع بهما الأشياء الجامدة. مكتوبٌ علينا أن نظلّ نمشي حتى نهاية الرمال المتحركة...
"لكي نجعل من حياتنا عملاً أدبياً، علينا بكل بساطة أن نحلمها: كمثل حلمٍ تلتبس فيه الذاكرة مع الخيال حتى تختفي الفواصل والحدود بينهما...
"إذا التقط أحدهم صورة شعاعية لرأسي، فسوف يجد أنها تعجّ بالقصائد...
"كلما كانت الأشياء غامضة وغير قابلة للفهم، ازداد انجذابي إليها...
"هناك حلمٌ يراودني دائماً: أحلم بأنني ما عدتُ في حاجة الى الكتابة، وبأنني بتُّ أخيرا "حرّاً". لكنني، للأسف، لم أتحرر بعد. لا يزال عليَّ أن أحرث الأرض نفسها، وعندي حدس بأنني لن أنتهي من ذلك قريباً...".
أقرأ شذرات الكاتب "النوبليّ"، الرمزية والمختصَرة هذه، فأردّد معه، أن ليس للحلم نهاية. وليس للحبّ نهاية. وليس للأمل نهاية. وليس للحرية نهاية. كما ليس للكتابة، ولا للأدب، نهاية.
كلّما ظنّ أحدنا أنه وصل إلى قعر البئر، أو إلى السطح، اكتشف أن لا وصول البتّة؛ حيناً بسبب تمكّن سلطة اليأس والعدم، وحيناً ثانياً بسبب الخيبة والجريمة والخيانة، وأحياناً بسبب النقصان.
لهذه الأسباب بالذات، لا تنتهي ثورةٌ إلاّ بثورةٍ تفرّخ عند جذعها المستأصَل، وتفتح الطريق المسدود.
ولا الشعر ينتهي، إذا جفّ حبر الشاعر، أو مات. بل ثمة مَن ينهض من عدم، ليتولاّه، ويرعاه.
ولا العشّاق ينقرضون، أو يزهدون، إذا الحبّ أشاح بوجهه، أو أعرَض. لن يرضخ عاشقٌ في الكون لـ"حكمة" كهذه، وإن أحرق الجمرُ أصابعه العشر، فضلاً عن حريق القلب.
هل ندفن أرواحنا ونحن أحياء، إذا العدم استتبّ أمره. أو شُبِّه لنا ذلك؟!
في الأدب، كما في الحياة، القعر مفتوحٌ قعرُه على ما لا نهاية، والسطح مفتوحٌ على سماء. فكيف يكون وصولٌ، وكيف تكون نهاية؟!
* * *
كيف نصنّع عطرنا الخاص؟
ما لنا ولـ"عطر" سوزكيند، روايةً وفيلماً سينمائياً. لن نقتل أحداً لنستخرج العطر من روحه أو من جسمه. فلنبحث عن طريقة أخرى لصناعة العطر. ولتكن هذه الطريقة خلاّقة، وإنسانية، من دون أن نقتبس من أحد، أو نقلّد أحداً.
بعضٌ من مأساتنا، أننا سذّج ومثيرون للشفقة. فبعضنا يريد الوصول، بحرق العشب الأخضر، وأحياناً بأيّ ثمن. الوصول – إذا كان هكذا – هو عَفَنٌ كلُّه. إذا أردنا أن نكون خَدَمَةً للحرية، فواجبنا أن نمنع هذا العفن المبكر. فلنُرجئه، على الأقلّ، من طريق تأجيج رغبات الوصول؛ تربيتها، تكثيفها، وتجميحها.
فلنبدأ الرغبةَ، كما لو أننا لم نبدأها قبلاً.
الرغبة، التي نظنّ أننا حقّقناها، ثمّ نكتشف أنها منقوصة، مبتورة، مشوَّهة، عطشى، وجائعة؛ ثمّ نشعر – بسببٍ من ذلك - أنه لا بدّ من استكمالها؛ هي التي تجعلنا نرغب، دائماً وأبداً، بالحلم. والحبّ. والأمل. والحرية. والكتابة.
سيزيف ودون كيشوت، وما بينهما. قبل، وبعد، وإلى ما لا نهاية.
فلنرغبْ، كما لو أننا لم نرغبْ قبلاً.
رغبة الوصول، فلنعِشْها بجحيم العيش. ولنكتبْها بجحيم الكتابة. هكذا يُصنع العطر الخاص. وإلاّ لا لزوم لكلّ هذه الحكاية!


[email protected]

الأكثر قراءة

الخليج العربي 10/3/2026 9:10:00 AM
تفاصيل جديدة في واقعة "فلاي دبي"... النائب العام الإماراتي يكشف ملابساتها
حول العالم 10/3/2026 1:01:00 PM

كانت عائلتها توثّق تفاصيل حياتها اليومية، من اللعب وحضور مواعيدها الطبية، إلى قضاء الوقت مع أفراد عائلتها.


فن ومشاهير 10/1/2026 3:08:00 PM
حسمت رحمة محسن الجدل حول خلافها مع أحمد العوضي بعد أزمة إلغاء المتابعة، مؤكدة فضل النجم المصري عليها، ونافية ربط الأزمة بمتابعتها للنجمة ياسمين عبد العزيز.
موضة وجمال 10/1/2026 8:54:00 AM
وثقت الصور أجواء الاحتفال العائلي، ومن بينها صورة جماعية على درجات قصر زهران توسطها العروسان بحضور الملك والملكة وأفراد العائلة والضيوف.