لا يستريح الكاتب سانتياغو غامبوا (من مواليد 1965) سوى في جعل نصوصه تتحرّك. كأن الكُتب ناسٌ زُرِعت جذورها في ساقين لا تستكينان. أنجز المؤلف والديبلوماسي وعالم اللسانيّات الكولومبي المقيم في روما، بعد ترحال مديد، قِطَعاً روائية وأخرى قصصيّة وكتابين في أدب السفر. اقتنصنا فرصة زيارته بيروت للمشاركة في اللقاء الأدبي "كُتّاب بين ثقافتين"، بمبادرة من "بيت الكتّاب الدولي"، لمحاورته بعدما تكرّس أحد أبرز أسماء الأدب الكولومبي المعاصر، فاستبقي كتابه "تناذر عوليس" لجائزة "ميديسيس"، ومُنح جائزة "لا أوترا أورييا" (الضفّة الأخرى) بفضل "مدينة الموتى".
■ جئتَ إلى بيروت للمشاركة في "كُتّاب بين ثقافتين"، بينما يتراءى الكاتب في عصر العولمة، مقيما بين مجموعة ثقافات. تقول إنك لا ترغب في أن تٌقرأ لأنك كولومبي، تماما مثلما لا يُقرأ مالرو لأنه فرنسي، وتابوكي لأنه إيطالي، وانه يروق لكَ إختيار موضوعات يسمح بها تاريخ الأدب. فكيف تُحدّدها؟
- يختار الكاتب موضوعات تفرض نفسها عليه وفق ما عاشه. أنتمي إلى طراز من الكتّاب يحتاجون إلى أن تتجذر نصوصهم في تجاربهم الشخصية. هذا لا يعني أني أنجز سيراً ذاتية وإنما أظنّ الفعل الأدبي صادقاً ومكثّفاً وقادراً، لأنه يمكّننا من استفهام جوانب عدة من حيواتنا الشخصية، لنخترع بدءاً منها، نصاً تخييلياً. وهذا مهم. تتمحور كتبي في أحيان كثيرة على كولومبيا كما على بلدان سواها حيث أقمتُ، لكني لا أرغب في أن تُقارب أو تُقرأ، وفق الأماكن حيث تجري، ذلك انه ليس الأسلوب المناسب لفهمها. نقرأ لكُتّاب يروقوننا، ولا يتأتي هذا الإعجاب من المكان أو من الموضوعات التي تبحثها نصوصهم وإنما من الكتابة عينها. هذا هو فن الأدب كما أفهمُهُ.
* بانكوك، في كتابِك "صلوات مسائية"، مدينة يغطيها رداء ضبابيّ "يجعلها غير مرئيّة في القسط الأكبر من النهار". في سردِكَ، تروي اليومي كأنه فانتازيا، في أسلوب سحر الواقع، لا الواقعية السحرية. حاولَت أسماء عدة من جيلِكَ الخروج من المكان والزمان في أميركا اللاتينية وملحقاتهما قاطعةً مع مرحلة "الفورة اللاتينية". ماذا عن علاقتك بالمدن والأمكنة في المطلق وكيف أثّرَت في كتابتك؟
- تؤلف المدينة مساحة الرواية الأثيرة. هناك طبعاً روايات الريف وروايات البحر وروايات سواها تجري في مساحة غرفة فحسب. لكني أرى المدينة وثيقة الصلة بالرواية، لأنها مكان نلتقي فيه ناساً بلا أسماء ويتطوّر نسق محدد من القصص أهتم له خصوصا، أي العلاقات بين ناس مجهولين. في المدينة يختبر الناس تَحوّلاً ويبلغون شفا حيواتهم الشخصية. يروقني سرد قصص مشابهة ولا أعرف لماذا. ربما لأني شخص طبيعي للغاية، يستهويني أن أقصد حوافي الحياة عبر الأدب، وهذا ما نصادفه في المدينة. التجربة المدينية والكثافة المدينية وما تخلّفه على مستوى التجربة النفسانية، من بين الثيمات الأكثر جاذبية لي. فكرة المُدن كهوامات، تروقني جدا أيضا، أو فكرة مراقبة كل شيء من دون أن يرانا أحد. تجتذبني أفكار كثيرة تخصّ المدينة. بسبب وجود المراكز الأدبية المحورية في العالم، أي أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، بات يُنتظر من الكاتب المتحدّر من أميركا اللاتينية أن يتناول ثيمات محددة، أن يأتي بمحتوى Boom latinoamericano "الفورة اللاتينية"، مثل فارغاس يوسا وغارثيا ماركيز. بينما تُنتظر من كُتّاب افريقيا أو الشرق الأوسط أنواع أخرى من المضامين. عكَسَت أوروبا مجموعة من الأنماط الجاهزة على باقي العالم، فكان على الكاتب الآتي من الكاريبي أو من الشطر الجنوبي من القارة الأميركية أن يتناول الغرائبيّة والثورة. كان تشي غيفارا مثلاً، جزءا من تلك الأنماط الجاهزة. أما في أفريقيا فحلّ مكانها موضوع الزنوجة، بينما استبدل في الشرق الأوسط بالصراعات الدينية، وبالتجربة اللاحقة للإستعمار في آسيا، ربما. أما في أوروبا ولا سيما ضمن الفرنكوفونية، فثلّة من النظرات "الأبويّة". يعشق الفرنسيّون كُتّاب الفرنكوفونية، بينما لا يقارب المعنيون أنفسهم كذلك.
* تُشبه هذه العلاقة تلك التي سادت سابقاً بين إسبانيا ودول أميركا اللاتينية في سبعينات القرن الماضي، حين عَمَدَت دور النشر الإسبانية إلى "ترجمة" نصوص كُتّاب الجزء الجنوبي من القارة الأميركية إلى "قشتالية" إسبانيا النقيّة.
- طبعاً. غير أن الكتّاب الفرنسيين هم أنفسهم كتّاب الفرنكوفونية. لا يعدّ فيليب سولرز نفسه كاتباً فرنكوفونيا، غير انهم يرغبون في تصنيفه كذلك، تماماً مثلما يُحدد كتّاب لبنان أو كندا أو سواها ضمن "كليشيه". أمقتُ هذه النظرة. علماً اني أرى أن بعض الكتّاب ساهموا بها أيضا، ولا سيما في أميركا اللاتينية. والحال ان هؤلاء الراضين بالأنماط الجاهزة، هم الأكثر نجاحاً إجمالا، لأنهم يلبّون المتطلبّات الأوروبية في هذا السياق. أما كتبي فعلى نقيض هذه الأفكار الجاهزة. لا أؤمن بهذا النسق من التموضع أو الثيمات. الأدب في عرفي مساحة للحرية، فإذا احتجت أن تقصد نصوصي بانكوك أو بيجينغ، فلا مشكلة لديَّ البتة في تنفيذ ذلك.
* يقول راويك في "صلوات مسائية": "أتيتُ إلى بانكوك عازماً على التذكّر، على النظر مجددا إلى ما عشتُه قبل أعوام عدة في المدينة، وإنما تحت ضوء جديد. الوقت أحياناً هو مشكلة ضوء"، أي انه بمعنى آخر، مشكلة مقاربة أيضا. أليس تمرين الكتابة في المحصلة نظراً بالعين الأخرى لعلّ الكاتب يجد السلام الداخلي عبره؟
- الأدب هو طريقة لتنفيذ الحدس الشخصي، للذهاب عميقاً في سؤال أفكار معينة وتجارب مهمة، قبل نقلها إلى أرض معينة حيث تصير لغةً. يتّخذ عندها هذا التحوّل اللغوي منطقاً يجعله مرئيّاً للآخرين ليستمروا بالإنشغالات والإستفهامات عينها. للأدب والرواية تحديدا، بعدٌ روحاني. لست متديّناً البتّة، لكني أؤمن بكلاسيكيّات الأدب، ولهذا السبب أجد دوما منحى عميقاً جدا في الكتابة، حيث شخوصٌ يستفهمون، ولا سيما حين يكونون وحدهم. يختصر ذلك فعل الكتابة وفعل القراءة أيضا. يملك الأدب وعياً للحياة ويسمح لنا بعيش ما لم نعشه يوما. انه بُعد الكتابة الروحاني العميق.
* في مطلع روايتكَ، "مدينة الموتى"، اقتباسان. الأول لساندور ماراي: "النجاة بالحياة هو في النهاية والبداية فعل مستحق كالبحث عن الحقيقة حتى الإنهاك"، أما الثاني فلتشارلز بوكوفسكي: "ليست حكاية البلدان وإنما حيوات الناس". تجري الرواية في القدس، "مدينة الموتى"، لتبحث عن الحياة أيضا. أهي "إيل ديكاميرون" معاصرة مثل "عشرة أيام في التلال" لجاين سمايلي، حيث استبدَلتَ الطاعون بالحرب ومدينة فلورنسا بالقدس؟
- روايتي هي نسخة معينة من "إيل ديكاميرون" حيث الطاعون هو الحرب لكنها حرب تدور في إطار الصراع العربي - الإسرائيلي. في لحظات معيّنة، ثمة أوضاع عنفية وحربية تحاصر الشخوص التخييلية. أستخدم القدس، المدينة الجامعة لثقافات عدة، كذريعة لتصير استعارة عن مدينة على وشك التدمير. سبق أن تهدّمت المدينة مرّتين في الأقل تاريخياً. لهذا السبب اهتممتُ لهذا المكان حيث يمكن الجمع بين مجموعة من الشخوص للقيام بتجربة "إيل ديكاميرون"، أي سرد حكاية في عالم معاصر، وفي إطار مؤتمر عن كتُب السيرة وعن الذاكرة أيضاً (يَحضرُهُ الراوي). بدأتُ الكتابة متأملاً ضرورة وجود السرد لتكون هناك ذاكرة، ومتأمّلاً كيف يصير السرد في المحصلة فعل مقاومة. عندما يجتمع العيش وسرده، يصيران نمطاً من المقاومة. تلتقي كل هذه القطع في وسط كتابي، في موازاة تضمّنه فكرة توجيهية، لأنه ينبغي للقارئ أن يطالع قصة في النتيجة. في "مدينة الموتى" حوادث وشخصيّات كثيرة تتمحور كلها في النهاية على الحاجة العميقة لسرد حياة ما، بغية المقاومة. التدمير والحرب هما الموت، بينما توازي رواية حياة ما، القيام بإنقاذها. تقف الذاكرة عند ضفة الحياة، لا عند ضفة الموت. يقول الفيلسوف النمسوي لودفيغ فتغانشتاين: "لا يسعني أن أعيش موتي الشخصي".
* نقرأ في نهاية النص: "هل يمكنني أن أسألكَ اذا كانت حكايتُكَ حقيقيةً؟". الجواب: "كل الأمور المرويّة جيدا حقيقية". ذكّرني هذا بقول الكاتب ألفرد دو موسيه "كل الحقيقي بالنسبة إليّ هو تخييل فحسب".
- عندما يُخبر المرء شيئاً على نحو جيد، يمنحه حقيقة معينة تنتمي إلى اللغة. إذا كُنتِ على متن طائرة وقررتِ أن تقولي لشخص مجهول يجلس بجانبك من أنتِ، تملكين الحرية التامة في إخباره ما تريدينه، وفي أن تكوني أي شخص. يمكنُكِ أن تصيري عالمة إجتماع أو رائدة فضاء روسيّة. يجب أن تكون روايتُك جيّدة ومُقنعة فحسب ليغدو الأمر حقيقيا خلال مدّة الرحلة. ذلك ان حقيقة اللغة ليست حقيقة الواقع. ترتبط حقيقة الواقع بالحاضر، بينما يمرّ الحاضر ليحلّ المستقبل، فيصير الحاضر عندئذ نُسختي ونسختِكِ أيضا.
* أقمتَ خارج كولومبيا لنحو ثلاثة عقود، في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا والهند وسواها. يطغى حضور السفر في حياتك وفي مؤلّفاتك أيضا. فماذا منحَتكَ الكتابة عن مسقطك من الخارج، وماذا عن النظر إليه من مسافة؟
- منحني السفر أمرا مهما جدا. سمح لي بالإبتعاد من مطرحي الأصلي بالولادة من جديد، تقريباً. غادرتُ كولومبيا فتياً جدا، في التاسعة عشرة، فررتُ من حياة سعيدة جدا، للمفارقة، لاقتناعي بأن الحياة ليست كذلك. أردتُ التعرّف إلى الحياة القاسية. عانى بعض أصدقائي كثيراً بسبب أهاليهم المتسلطين، بينما اختلفت حالي. حظيتُ بوالدين رائعين كانا يَساريين من الطبقة الوسطى. أُحطتُ في طفولتي بالكتب وبالأعمال الفنية. كان عالمي سعيداً. لكني رغبتُ في المعاناة. أدركتُ أن لا وجود لأدب السعادة، أردتُ عيش حياة الآخرين القاسية فرحلتُ بحثاً عنها ووجدتها. وكان ذلك محوريّا للكتابة. ساعدني السفر والإبتعاد إجمالا، في الإقتراب من سرّ الكتابة. كلما سافرتُ، راودتني الرغبة في الكتابة، وليس بالضرورة عن الأمكنة التي أزورها. باتَ الفندق حيث أقمتُ، وأيا يكن، مكاني الشخصي حيث أبدأ بتدوين الأفكار والملاحظات التي سيتضمّنها نصي. السفر بالنسبة لي طريقة لتصير الكتابة من لحم ودم. انه نمط من التفكير ومن الوحدة الخاصة والعميقة جدا، فالوحدة رفيقةُ سفرِ الكاتب. حين أكتبُ أشعر كأني في اللامكان. أكتبُ تحوطني أغراض مصدرها الصين والهند والبيرو وغيرها. يرتبط السفر والحراك بالأفكار دوماً، وهما مرادفان للحياة. كان الفلاسفة الإغريق يعلّمون في سيرهم. أما معرفة ثقافة واحدة فتوازي عدم معرفة أي ثقافة. ينبغي للمرء الإحتكاك بثقافة أخرى ليعرف من يكون. إذا لم تذهبي إلى الآخر فلن تعرفي من أنتِ. وأنا قصدتُ بلدانا كثيرة. أما بيروت فأراها مدينة من أميركا اللاتينية تقع في الشرق الأوسط. وربما تكون مدن الجزء الحنوبي من القارة الأميركية مُدناً شرق أوسطية وإنما تقع جغرافياً في أميركا اللاتينية. ثمة في بيروت شكل من التعايش مع الفوضى يتراءى لي مألوفا جدا، فنجد ورشة ميكانيكي في جوار مطعم. إنها أميركا اللاتينية فعلا!
[email protected]
Twitter: @Roula_Rached77
نبض