غياب ميسي وسواريز عن مباراة كل النجوم

تحت الضوء - واثق أديب (1926 – 2014) أو المعماري كما كان يمكن أن يكون
Smaller Bigger

سألت واثق أديب مرّة منذ أكثر من عشر سنين كيف استطاع هو وأفراد جيله من المعماريين الذين رسموا واجهة بيروت الحديثة في الخمسينات والستّينات أن يحافظوا على ذلك المستوى العالي من التصميم والبناء. أجاب بعد صمت، وبدقّة: "كنّا نستجوب الزبائن قبل ان نقبل المشروع". كان الصمت والدقّة ميزتين كبيرتين في شخص واثق أديب (وفي أعماله) الذي رحل الأسبوع الفائت. رحل بصمت .


مظهر التكابر في هذا الجواب، قد يفاجئ الذين عرفوا واثق ديب وعرفوا تواضعه ورقّته، كما فاجأني أنا يومها. استجوبته أكثر، فأدركت أنّ الرجل لم يتخلّ لحظة عن جلّ صفاته. عاد الى صمته المعهود، ثمّ اعتذر قبل أن يجيب لأن شرحه قد يطول:
شرح أنّ الحداثة في العمارة لم تكمن فقط في الشكل المبسّط والتجرّد من التفاصيل والتاريخ، بل كانت تتطلّب أن يحسّن المعماري نمط حياة سكّانها بشكل جذريّ، ولكن من دون أن يفرض التحديث فرضاً. لذلك اعتمد أديب، مع شركائه في الاختبار والبناء، أمثال بهيج مقدسي والمعماري البولوني كارول شاير، الأسلوب العلمي والتحليلي للاستجواب، لمعرفة خصائص وخصوصيّات حياة سكّان المدينة المستقبليّين لكي يكون تحديثها وتحسينها من خلال خلق فضاءات واضحة مهوّءة ومنوّرة تتماشى مع متطلبات الحياة المحدثّة وتحسّنها. هكذا، ومن خلال الاستجواب والحديث، تدخل العمارة الحديثة في حياة البيروتيين برحابة. تدخل كجواب مدروس لمساءلة علمية، كبرنامج مستقبلي، وكحلّ ساهم السكّان أنفسهم في إيجاده، ولم يُفرض عليهم.
حادَث أديب الحياة المعاصرة من نواحيها المختلفة، فلم تكن حداثته محصورةً في البناء بل امتدّت معه ومن خلاله الى منتديات ولقاءات مع الثقافة والفن، فكان من المساهمين في تنظيم مهرجانات بعلبك. ولم تنكر حداثته التاريخ، فعرف أن قيمة التجديد تكمن في أن يحافظ على التراث لقيمته التاريخية، كما فعل من خلال مساهمته الطويلة مع جمعية المحافظة على التراث ومن دون أن يُنكِّر به الحاضر.
ارتكزت حداثة أديب على الحوار، وعندما ضاق صدر الزبائن بالتحاور وأصبح التأنّي العلمي مضيعة للوقت والمال، تدنّى مستوى العمارة، فانسحب أديب ولازم الصمت. بعد وفاة شريكه شاير، وأثناء الحروب المتتالية وفورات العمار الرديء بينها، اختار أديب المنفى عن بيروت وعن المهنة. رأى من بعيد زبائن جدداً فاتتهم سلاسة أبنيته ودقّتها ولم يجدوا فائدة في أن يحادثوه عنها. فمنهم من مسّخها و"قنطرها"، ومنهم من دمّرها كأوتيل الكارلتون، مدمّراً معها قصراً من قصور العهد الذهبي. القليل منها بقي. بقي بفضل النسيان أو لجهود لمعماريين أمثال جورج عربيد ولمالكين أمثال ريشار عازوري. بقيت بناية "الشل" كما بناية "غندور"، وأضحتا من تراثنا دروساً في الحداثة على الكورنيش. بقيت "السارولا" وبناية "الياسمين" في الحمرا، وبقي من السنترالات والابنية الحكومية ما يبرهن ان الرأسمال الخاص والمصلحة العامة يلتقيان أو على الأقل يتحادثان عبر أعمال اديب.
أعدّ نفسي من المحظوظين بين المعماريين من جيلي لأنني عرفت واثق أديب المعماري والمثقّف والرجل النبيل. لا بل حظّي أكبر لأنني نشأت في بيت صمّمه أديب مع شاير لوالدي وصديقهما يوسف سركيس في أواخر الخمسينات. لا أدري اذا كان أديب قد استجوب والدي يومها، لكنني أعرف انّني استوحيت الكثير من هذا البيت الصغير مع أعمدته المستديرة وفسحاته المتواصلة بين الداخل والخارج والالوان الباهرة على الجدران وحجر الخفّان الذي قلبه ثمّ ستّفه ولوّنه فحوّله كلوسترا. كان البيت ملعبنا الدائم أنا وأخوتي، يلهمنا في تصاميمه ويضفي علينا تفاؤل تلك الحقبة. كولدٍ في الثالثة من عمري، لم أكن اعرف معنى كلمة "معماري" ولكنني كنت أردّد: "أريد أن أصبح معمارياً مثل واثق أديب".
لا أعرف، وها أنا قد قاربت الخمسين، اذا صرت أفهم معنى مهنتي بعد سنين من درس العمارة واحترافها، لكنني ما زلت أصبو أن أصبح مثل واثق أديب.

الأكثر قراءة

ثقافة 10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي 10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
ثقافة 10/9/2026 5:11:00 AM
لا سبيل إلى إنقاذ الموقوف في معمل البصل إلا بالوصول إليه قبل الإنطلاق به إلى دمشق
اسرائيليات 10/7/2026 10:54:00 PM
أعلن يحيئيل لايتر بدء تنفّس نجله نيريا من دون جهاز اصطناعي، بعد إصابته الخطرة في هجوم دهس الشهر الماضي، لكنه لم يستعد وعيه بالكامل.